قال : وكل ممكن العروض ذاتي ولا عكس .
أقول : الممكن قد يكون ممكن الثبوت في نفسه وقد يكون ممكن الثبوت
لشئ آخر ، وكل ممكن الثبوت لشئ آخر - أعني ممكن العروض - فهو ممكن
ذاتي ، أي يكون في نفسه ممكن الثبوت لأن إمكان ثبوت الشئ لغيره فرع على
إمكانه في نفسه ولا ينعكس ، فقد يكون الشئ ممكن الثبوت في نفسه وممتنع
الثبوت لغيره كالمفارقات ، أو واجب الثبوت لغيره كالأعراض والصفات .
المسألة التاسعة والعشرون
في علة الاحتياج إلى المؤثر
قال : وإذا لحظ الذهن ( 1 ) الممكن موجودا طلب العلة وإن لم يتصور غيره وقد
هامش
( 1 ) الكلام في أن علة احتياج الأثر إلى مؤثره هي الإمكان لا غير ، وهذا هو القول القويم
والحكم الحكيم لا يعتريه ريب ولا يشوبه عيب ، فالممكن في بقائه محتاج إلى مؤثره كما أنه
في حدوثه مفتاق إليه على سواء ، والعلة الموجدة هي المبقية بلا مراء . والرأي الآخر بأنها
الحدوث أو الإمكان مع الحدوث شطرا أو شرطا فائل جدا .
ثم الحدوث على رأيهم ذلك هو الحدوث الزماني وهما منهم أن الحدوث لو لم يكن زمانيا
لزم منه القول بقدم العالم واستغنائه عن المؤثر ، لأن العالم قديم وكل قديم مستغن عن المؤثر
فالعالم مستغن عن المؤثر ، والأوسط لم يكرر في القياس .
لأن الحكيم القائل بقدمه يعني به الزماني لا الذاتي والقديم المستغني عن المؤثر هو الذاتي
لا الزماني . والمصنف شنع عليهم بأن الحدوث ليس علة الاحتياج حتى لو قلنا بقدم العالم لم
يستغن عن المؤثر ، لأن علة الاحتياج هو الإمكان وهذا الفقر لا يفارق الممكن أينما كان
وأيما كان ، كما قال في المسألة الرابعة والأربعين : والممكن الباقي مفتقر إلى المؤثر لوجود
علته والمؤثر يفيد البقاء بعد الإحداث ، ولهذا جاز استناد القديم الممكن إلى المؤثر الموجب
لو أمكن ولا يمكن استناده إلى المختار .
ثم إن الحدوث لا يكون زمانيا فقط ، بل الحدوث الذاتي متحقق كما يأتي في المسألة الرابعة
والثلاثين ، والحدوث الذاتي لا ينافي القدم الزماني على أن الأمر الحري بالمقام فوق أمثال
هذه المسائل بدرجات وهو سبحانه رفيع الدرجات ذو المعارج . وسيأتي قوله في المسألة
الخامسة والأربعين بأنه لا قديم سوى الله ، فالقديم الذاتي ليس إلا الله ، والقديم الذاتي هو
الوجود الأحدي والحق الصمدي ، أي هو الأول والآخر والظاهر والباطن . والتوحيد
الصمدي يطرد كثيرا من المسائل الكلامية بل المشائية أيضا .
ثم اعلم أن أكثر ما احتج به أئمتنا عليهم السلام على الزنادقة لا يشتمل التمسك بالحدوث ، ينبئك
الجوامع الروائية ، وذلك لأن إثبات الواجب تعالى لا يتوقف على إثبات الحدوث للعالم ،
فتبصر . وسيأتي تمام الكلام في مسألتي الرابعة والأربعين والخامسة والأربعين من هذا
الفصل وفي أول الفصل الثالث من هذا المقصد .