ذات النواعير سقات الترب * وأمهات عصفه والأب
تعلمت نوح الحمام الهتف * أيام كانت ذات فرع أهيف
فكلها من الحنين قلب * فكيف لا والما عليها صب
لله ذاك السفح والوادي الغرد * والماء معسول الرضاب مضطرد
يصبو بها الرائي فكيف السامع * ويحمد العاصي فكيف الطائع
إذا نظرت للربا والنهر * فارو عن الربيع أو عن جعفر
محاسنا تلهى العيون والفكر * ربيع روضات وشحرور صفر
أمام كل منزل بستان * وبين كل قرية ميدان
أما رأيت الورق في الأوراق * جاذبة القلوب بالأطواق
فبادر اللذة يا فلان * واغنم متى أمكنك الزمان
ولا تقل مشتى ولا مصيف * فكل أوقات الهنا خريف
كل زمان يتقضى بالجدل * زمان عيش كلما دار اعتدل
أحسن ما أذكر من أوقاته * وخير ما أنعت من لذاته
بروزنا للصيد فيه والقنص * وحوزنا من مره أحلى الفرص
وأخذنا الوحش من المسارب * وفعلنا في الطير فوق الواجب
لما دنا زمان رمي البندق * سرنا على وجه السرور المشرق
في عصبة عادلة في الحكم * وغلمة مثل بدور التم
من كل مبعوث إلى الأطيار * تظله غمامة الغبار
قد حمد القوم به عقب السفر * عند اقتران القوس منه بالقمر
لولا حذار القوس من يديه * لغنت الورق على عطفيه
في كفه محنية الأوصال * قاطعة الأعمار كالهلال
زهراء خضراء الإهاب معجبه * مما ثوت بين الرياض المعشبه
فاغرة الأفواه للأطيار * طالبة لهن بالأوتار
كأنها بين المياه نون * أو حاجب بما تشا مقرون
لها بنات بالمنى معذوقه * من طينة واحدة مخلوقه
سامعة لما تشير الأم * مع أنها مثل الحجار صم
كأنها والطير منها هارب * خلف الشياطين شهاب ثاقب
واها لها شبه كرات تخطف * شاهدة بالعزم وهي تقذف
حتى نزلنا بمكان مونق * إخوان صدق أحدقوا بالملق
فيا له في الحسن من محل * مراد جد ومراد هزل
للطير في مياهه مواقع * كأنها من حولها فواقع
فلم نزل في منزل كريم * نروي حديث الرمي عن قديم
حتى طوى الأفق رداء الورس * والتهم المغرب قرص الشمس
وابتدر القوم إلى المراصد * من ساهر ليل التمام ساهد
كالليث يسطو كفه بأرقم * والبدر يرمي في الدجا بأسهم
بينا الطيور في مداها ساهره * إذا هم من عينه بالساهره
وأقبلت مواكب الطيور * على طروس الجو كالسطور
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 216
مساهمون: علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
ص٢١٦