شرح
ومعنى ذلك أن وجوب التعلم طريقي وأنه إنما وجب للاتيان بالواجبات لا
لأنه مطلوب نفسي كسائر الواجبات فإذا تركه المكلف عوقب بمخالفته للمكلف به
الواقعي ، ولا يعاقب بتركه التعلم أبدا .
وتظهر الثمرة فيما إذا استند ترك الواجب إلى أمر آخر ولم يستند إلى ترك
التعلم ، فإن المكلف حينئذ لا يعاقب بشئ ، وإنما يعاقب بتركه إذا استند إلى ترك
التعلم كما مر ، هذا كله فيما إذا علم المكلف بأنه سيبتلى بالواجب بعد مجيئ وقته أو
علم أن شرطه ستتصف بالفعلية في المستقبل .
وأما إذا لم يعلم بذلك وإنما احتمل الابتلاء به في ظرفه فالأمر أيضا كذلك
لما قررناه في بحث البراءة ، من أن التكليف المحتمل إذا كان في معرض الوقوف
عليه لم تجر البراءة العقلية عنه ، وذلك لأن وظيفة المولى ليست سوى التصدي لبيان
أحكامه وجعلها في مورد لو فحص عنها المكلف لظفر بها ، فإذا جعل تكاليفه في
مورد العثور عليها تمت الوظيفة من قبله وانتهت النوبة إلى وظيفة العبد أعني لزوم
الخروج عن عهدة التكاليف المتوجهة إليه من سيده ، ومعه لا مؤمن له من العقاب
على مخالفة التكليف الصادر عنه إلا أن يفحص عنه في مظانه فلا مجال للبراءة العقلية
مع الاحتمال .
وأما البراءة الشرعية فمقتضى اطلاق أدلتها وإن كان جريانها في أمثال المقام
لقوله - ع - رفع ما لا يعلمون . . ( * 1 ) ومنه ما نحن بصدده إلا أن الأدلة
القائمة على وجوب التعلم واستحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي فيما إذا
استند تركه إلى ترك التعلم مانعة عن جريان البراءة - في تلك الموارد - لدلالتها على
وجوب الفحص والتعلم حينئذ ، لاستناد ترك الواجب إلى ترك الفحص والتعلم على
هامش
( * 1 ) المروية في ب 16 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل وقد بينا ما يرجع
إلى الاستدلال بها في الجزء الثالث ص 344 فليراجع .