وحيث أن هذا الغالب هو القابض فعليا على مقاليد الأمور ، فإنه يصبح الآمر
والناهي ، ويصبح هو الإمام بحكم الواقع والغلبة لا بحكم الشرع .
ومع الأيام والتكرار ينبذ الإمام الشرعي بعد أن تعذر عليه ممارسة وظائف
الإمامة ، لأنه أصبح وحيدا ومجردا من السلطات الواقعية ، والإمكانيات التي تمكنه من
ممارسة دوره كإمام شرعي ، وحيث أن الأمة وقفت مع غيره ، وحيث أن هذا الغير
هو الغالب ، يتحجم دور الإمام الشرعي وينبذ ، باعتباره عدو الغالب ، ومنافسه ،
وطريد السلطة ، وتتحول هذه الآلية إلى سنة فعلية ، تدعهما القوة والغلبة . وتتحول
الأمة إلى مجرد مطية يركبها أي غالب ، وتندحر الشرعية ، والمشروعية تماما ، فتسود
مقولة عبد الله بن عمر بن الخطاب ( نحن مع من غلب ) تلك المقولة التي تحولت إلى نص ،
كأنه منزل من عند الله ! راجع الأحكام السلطانية لأبي يعلى صفحة 6 - 15 ، وراجع
صفحة 424 من الإرشاد في الكلام لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني .
وبعد أن تستتب الأمور لهذا الغالب يقلد النبي ، فيعهد إلى أي شخص يريده ،
وتستمر ولاية العهد بهذه الطريقة حتى يبرز من بين صفوف الأمة غالب جديد ،
فيغلب الخليفة القائم ، ويستولي على الملك لنفسه ، أو لأسرته ، ويبدأ بسلسلة ولاية
العهد ، حتى يتقدم الصفوف غالب جديد !
والأمة رغبة أو رهبة ملزمة بمبايعة كل غالب ، وهكذا دواليك طوال التاريخ
السياسي الإسلامي !
وإذا تجرأ الإمام الشرعي بمثل هذه الظروف أن يذكر الأمة بالشرعية ، وبحقه
الشرعي بالإمامة ، قيل : إنه طالب إمارة ، وطالب الإمارة لا يؤمر ، وقيل : إنه يريد
أن يفرق الأمة بعد اجتماعها ، وأن يشق عصا الطاعة ، ويفرق الجماعة ، ويبغي الفتنة .
ووسائل إعلام الدولة تدق طبولها بالعشي والإبكار ، وترسخ الواقع وتباعد بين
الأمة وبين الشرعية السياسية الحقيقية .
ولقد عالجنا هذا الموضوع في كتابنا ( النظام السياسي في الإسلام ) بإيجاز يكفي
للإحاطة بهذا التوجه ، فليرجع إليه من شاء الوقوف على بعض التفاصيل .
وعندما يطول العهد وتتكون معالم السنة الفعلية التي رسمها الغالب ، يتصور
الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية — صفحة 145
مساهمون: أحمد حسين يعقوب
ص١٤٥