فلما استقر الشراب في جوفي كأنما نشطت من عقال ، فأتيت بابه فاستأذنت
عليه ، فصوت بي : صح الجسم أدخل أدخل ، فدخلت وأنا باك فسلمت عليه وقبلت يده
ورأسه ، فقال لي : وما يبكيك يا محمد ؟ فقلت جعلت فداك ابكى على اغترابي وبعد
الشقة وقلة المقدرة على المقام عندك والنظر إليك .
فقال لي : أما قلة المقدرة : فكذلك جعل الله أوليائنا وأهل مودتنا وجعل البلاء
إليهم سريعا ، وأما ذكرت من الغربة : فلك بأبي عبد الله أسوة بأرض ناء عنا بالفرات .
وأما ما ذكرت من بعد الشقة : فان المؤمن في هذه الدار غريب ، وفي هذا
الخلق المنكوس حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله .
وأما ما ذكرت من حبك قربنا والنظر إلينا وأنك لا تقدر على ذلك : فالله يعلم
ما في قلبك وجزاؤك عليه .
شرح
وكذلك قال في القاموس : التعالي الارتفاع إذا أمرت منه قلت تعال بفتح اللام
ولها تعالى ( 1 )
قوله ( عليه السلام ) : فان المؤمن في هذه الدار غريب
يعنى عليه السلام بالمؤمنين العارف المستيقن ، فإنه يعلم أن جوهر ذاته العاقلة من عالم
الامر والفيض ، ومستوطن نفسه المجردة في إقليم الحياة والبهجة ، فهو لا محالة انما
يرى طائر روحه القدسي غريبا في أقفاص هذه الدار البائدة البائرة المضلمة الموحشة ،
التي هي ناحية الأقذار والأخباث وحاشية الأرماس والاجداث ، ودارة غسق الطبيعة
وكورة ظلمة الهيولي .
وقوله عليه السلام " المنكوس " اما بالجر على صفة هذا الخلق ، والواو العاطفة للعطف
على في هذا الدار .
أي في هذا الخلق المنكوس غريب ؟ سمي هذا الخلق منكوسا لانصرافهم عن
هامش
( 1 ) القاموس : 4 / 366