وذَلِكَ قَوْلُه عَزَّ وجَلَّ : * ( لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا ويَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 1 ) ) *
بَابٌ آخَرُ مِنْه وفِيه زِيَادَةُ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ الأَوَّلِ ( 2 )
1 - أَبُو عَلِيٍّ الأَشْعَرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ مَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ قَالَ كُنْ مَاءً عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وأَهْلَ طَاعَتِي وكُنْ مِلْحاً أُجَاجاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وأَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَامْتَزَجَا فَمِنْ ذَلِكَ صَارَ يَلِدُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ والْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ ثُمَّ أَخَذَ طِيناً مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ فَعَرَكَه عَرْكاً شَدِيداً ( 3 ) فَإِذَا هُمْ كَالذَّرِّ يَدِبُّونَ فَقَالَ لأَصْحَابِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ وقَالَ لأَصْحَابِ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ ولَا أُبَالِي ثُمَّ أَمَرَ نَاراً فَأُسْعِرَتْ فَقَالَ لأَصْحَابِ الشِّمَالِ ادْخُلُوهَا فَهَابُوهَا ( 4 ) فَقَالَ لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ادْخُلُوهَا فَدَخَلُوهَا فَقَالَ كُونِي بَرْداً وسَلَاماً فَكَانَتْ بَرْداً وسَلَاماً فَقَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ يَا رَبِّ أَقِلْنَا ( 5 )
هامش
( 1 ) يس 70 - واعلم أن ما ذكر في هذا الباب وفى بعض الأبواب الآتية من متشابهات الاخبار
ومعضلات الآثار ومما يوهم الجبر ونفي الاختيار ولأصحابنا رضوان الله عليهم فيها مسالك :
الأول : ما ذهب إليه الأخباريون وهو أنا نؤمن بها مجملا ونعترف بالجهل عن حقيقة معناها
وعن أنها من أي جهة صدرت ، ونرد علمه إليهم ( عليهم السلام ) .
الثاني : أنها محمولة على التقية لموافقتها لروايات العامة ومذاهب الأشاعرة الجبرية وهم
جلهم .
الثالث : انها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون فإنه سبحانه لما خلقهم وكان عند
خلقهم عالما بما يصيرون إليه فكأنه خلقهم من طينات مختلفة .
الرابع : انها كناية عن اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم وهذا أمر بين لا يمكن انكاره فإنه
لا يريب عاقل في أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد والقابلية وهذا
يستلزم وقوع التكليف فان الله تعالى كلف النبي ( ص ) بقدر ما أعطاه من الاستعداد والقابلية
لتحصيل الكمالات وكلفه ما لم يكلف أحدا مثله وكلف أبا جهل ما في وسعه وطاقته ولم يجبره
على شئ من الشر والفساد .
الخامس : أنه لما كلف الله تعالى الأرواح أولا في الذر وأخذ ميثاقهم فاختاروا الخير أو
الشر باختيارهم في ذلك الوقت وتفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه باختيارهم كما دلت عليه
بعض الأخبار فلا فساد في ذلك ( آت ) .
( 2 ) إنما أفرد لتلك الأخبار بابا لاشتمالها على أمر زائد لم يكن في الأخبار السابقة ، رعاية
لضبط العنوان بحسب الامكان ( آت ) .
( 3 ) أديم الأرض : ظاهره وكذا السماء . والعرك : الدلك .
( 4 ) هابه يهابه هيبا ومهابة : خافه .
( 5 ) من الإقالة .