تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد ويليه رسالة التصور والتصديق — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
أقول قال صاحب المنطق فائدة القياس الجدلي حمل كل واحد من الناس على ما يليق به من الرأي بمقدمات مشهورة عنده وعند من يتفق أن يسمع القول منه وإن كانت أكثر منفعة القياس الجدلي هي رياضة الأذهان وتقويتها على النظر من حيث يمكن أن تحصل به قياسات كثيرة في مسألة واحدة على سبيل النفي والإثبات ثم يرجع فيها ويتأمّل أحوالها بالتصفح فيلوح الحق من إثباتها . إذا عرفت هذا فنقول الغرض بالجدل يختلف بحسب اختلاف الأشخاص والأصل في ذلك كله أن الإنسان مدني بالطبع وهو إنما يتم أحوال معاشه بالمشاركة والمعاونة وحسن المشاركة إنما يتم بالتزام أمرين للجمهور أحدهما بحسب ( يجب - ن ) الإقرار به كوجود الخالق تعالى والمعاد والنبوة والآخر بحسب ( يجب - ن ) العمل به كالقوانين الشرعية من العبادات والمعاملات . والذي يؤدي إلى حصول هذا الاعتقاد للجمهور بسهولة نافع والمقتضي لإبطاله ضار والبرهان مبني على الأمور اليقينية وقد لا يعطى هذه الفائدة لكل أحد لقصور بعض العقول عن اليقين لعدم استعداده وتعسره على بعضها فوضع القياس الجدلي المبني على الأمور المحمودة والمقبولة عند الجمهور لذلك لنفعه بالذات في الأمور المشاركة والمعاونة . ولهذا قال المعلم الأول إن من يخالف المشهورات الذائعة منهم من يحتاج إلى المعاقبة كمن يجحد وجوب عبادة الخالق ويستحسن عقوق الوالدين ومنهم من يحتاج إلى تعريف من جهة الحس كمن لا يعرف بحرارة النار وبرودة الثلج فمنفعة الجدل إلزام المبطلين والغلبة على الخصم بحيث يدركه الجمهور والذب عن الأوضاع وحفظ الرئيس العقائد العامة عن بدائع المبتدعة المتوسلين بحل عقائدهم الحقة بمقدمات مشهورة إلى استتباعهم ليحصل أغراضهم الفاسدة فيعارضهم الرئيس بمثل حججهم استبقاء لعقائد المرؤس وإقناع المحصلين من العوام في المسائل الكلية بالمشهورات وتسكين نفوس المتعلمين القاصرين عن درجة البرهان إذا كرهوا تقليد مبادئ العلوم ولا سبيل لهم إلى التحقيق بالبرهان إما لقصورهم أو لأنهم لم يصلوا إلى موضع البرهان عليه إذا أمكن تحصيل ما يقنعهم بالقياس الجدلي فلو لم يذكر لهم لم يحصلوا على أحد الأمرين