كانت الدولة الفاطمية أكبر دول العالم ، قوة عسكرية وفكرية ، في
العصور الوسطى . تتمثل فيها وحدة المسلمين وسماحة الدين ( 1 ) .
وفيها أثبتت وحدة القاعدة القانونية في الأمة ، بل وحدة الدين في
المذاهب ، اقتدارها على أن تجمع المسلمين في دولة واحدة ، هي أعظم الدول حضارة في
القارات المعروفة في ذلك الزمان ، عاصمتها مصر - القاهرة ، وجامعتها
الأزهر . سعد فيها المسلمون والمسيحيون واليهود والذميون ، حتى غزاها
من الداخل انقسام شعوبها ، وقيام إمارات شتى ، وسفه الوزراء ، وضعف
الخلفاء .
وأغرى غزو شعوبها أنفسهم في داخلها ، بانقسامهم وتفككهم ،
الصليبيين ، ليقوموا بالغزو الخارجي . وصدهم المسلمون مرات ، حتى
إذا أدلهم الخطب ، استعانت الدولة الشيعية في مصر بالدولة السنية في دمشق
وعلى رأسها السلطان نور الدين محمود ( 569 ) . أستاذ صلاح الدين
( 589 ) ليثبت أهل مصر والشام أن الإسلام واحد وإن اختلف المذاهب .
ولما وحد صلاح الدين إمارات المسلمين في بضع سنين من الموصل
هامش
( 1 ) سبق الفاطميين بمصر ( 358 - 567 ) الإخشيديون . وكانوا ينشرون التسامح
الديني فيها . وقد خصص المقريزي فصلين للكنائس والأديرة وحسن التفاهم بين المسلمين
والمسيحيين ، وبخاصة في الدولة الفاطمية .
ولم يعكر صفو هذا التفاهم إلا أيام الحاكم بأمر الله . ثم جاء الظاهر - ( 411 - 427 )
فالمستنصر ( 427 - 467 ) يعاقب قائده بالقتل لقيامه باضطهاد المسيحين . وكان أسقف
الأشمونين ساويرس يجادل الفقهاء ، المسلمين ، في أمور الدين . وتولى الخليفة الآمر ( من سنة 485
حتى سنة 525 ) وكان يزور الأديرة ويصادق الرهبان . ومن خواص كتابه ( أبو نجاح ) وهو
مسيحي .
وفي هذا الجو ظهر نوابغ المسيحين ابتداء من ساويرس بن المقفع ( 328 ) وهو مؤلف
كتاب الرد على اليهود والمعتزلة . ورسالة عن التثليث . أخرى في الرد على النساطرة . وشرح
الإنجيل وتاريخ المجامع الكنسية . وفي القرن السادس ظهر أولاد العسال الثلاثة : أبو الفرج والصفى
وأبو اسحق . وظهر المكين جرجس المتوفى سنة 672 .
وقديما اصطنع عمر بن الخطاب الكتاب من سبى قيسارية . واستعمل أبو موسى الأشعري كاتبا
نصرانيا . وكان بنو أمية يستعملون ابن أثال الطيب النصراني ويضعون عنه الجزية .