معهم ، ذلك الدرس العظيم : أن العمل والحرية صنوان . وأن كلا منهما
وسيلة للآخر .
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى خليسة مولاة
سلمان الفارسي ، وكانت قد اشترته بثلاثمائة درهم من أعراب حملوه إلى
يثرب . ومكث معها ستة عشر شهرا حتى قدم النبي يثرب . فسميت
المدينة . فأتاه سلمان فأرسل النبي عليا إلى خليسة ، بعد إذ أسلمت . لتعتق
سلمان . قالت : قل للنبي إن شئت أعتقته ، وإن شئت أعتقته ، وإن شئت فهو لك . قال صلى الله عليه وسلم : " أعتقيه أنت " فأعتقته .
فغرس لها رسول الله ثلاثمائة فسيلة .
وكان عليه الصلاة والسلام يقول : ( سلمان منا أهل البيت ) ( 1 )
ومع أن الإمام الصادق يرى إنفاق المال في البر تجارة مربحة فيقول
هامش
( 1 ) أضافه النبي إلى أهل البيت فصلا من النبي في تنازع المهاجرين والأنصار عليه إذ كان
كل من الفريقين يريده واحدا منهم .
وكان سلمان في انتسابه لأهل البيت حيث أراد صاحبه صلى الله عليه وسلم . فهو صاحب
الرأي بحفر الخندق في يوم غزوة الخندق ( الأحزاب ) وعلي هو الذي قتل عمرو بن عبد ود فارس
العرب يوم ذاك - فلأهل البيت في هذه المعركة القدح المعلى .
وكان حكيما . إذا خلا به رسول الله لم يبغ أحدا غيره . عينه عمر أميرا على المدائن عاصمة
فارس فكان يوزع عطاءه على الناس ( خمسة آلاف درهم ) ويعمل الخوص بيده ويبيعه بثلاثة
دراهم ينفق واحدا ويتصدق بواحد ويشترى خوصا جديدا بواحد . وذات يوم دخلوا عليه
دار الإمارة فوجدوه يعجن بيده . قال : بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين .
رآه رجل قادما من الشام فحسبه من ضخامة جسمه حمالا . فإعطاء حملا وقال اتبعني .
فحمله وتبعه . ورآه الناس فتسارعوا يحملون حمل الأمير قال : لا . . . فرجاه الرجل ، إذ
أدرك مقامه ، فأبى وقال : لا حتى أبلغ منزلك وثمة وضع الحمل في مكانه وقال ( أنى احتسبت
بما صنعت خصالا ثلاثة : أنى نفيت عنى الكبر . وأعنت رجلا من المسلمين على حاجته . وإن لم
تسخرني سخرت من هو أضعف منى فوقيته بنفسي ) .
فهو يحمل الحمل عن رجل ضعيف . ولا يخزى صاحب الحمل بتعريف نفسه . وينفى عنها
الكبر وهو أمير فارس ! لكنه يحفظ وصية صاحبه صلى الله عليه وسلم فيقول ( أوصاني
خليلي ألا يكون متاعي من الدنيا إلا كزاد الركب ) .
وحسبه قول أمير المؤمنين على عنه ( من لكم بمثل لقمان الحكيم ) .