وإذا كان أصل استعمال العقل يسع كل وسائل النظر ، فالفقيه ملزم
بالاحتياط - وهو أول ما تستوجبه النزاهة العقلية - لوجود احتمال التزاحم
والتعارض . فلا تجوز المجازفة بالتحليل والتحريم مع وجود هذا الاحتمال . .
وإنما يلجأ الفقيه لاستخراج الحكم ، عند عدم ظهور النص ، إلى استعمال العقل ،
وبقواعد يمليها العقل والنقل ، مثل وجوب دفع الضرر المحتمل ومثل عدم
العقاب بلا بيان
والعقل إذ يقرر قبح العقاب بلا بيان . يسوغ للمكلف أن يصنع
ما يراه عند عدم البيان . وبتعبير آخر تصبح الإباحة هي الأصل . والحرية
هي الأصل ، حتى تتقيد بنص .
يقول الإمام الصادق ( كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه ) ومن
هنا اتسع مجال النشاط الإنساني . فلا حرام إلا ما حرم الله .
والنص نقطة الثبات ، أو حجر الزاوية في الفقه . فلا اجتهاد مع وروده .
والتزام فحواه أو التزام مقاصد الشارع التي ينطق النص بها ، أو يدل
على معناها مجموع النصوص ، لا يدخل بالمصلحة أو بالقياس شيئا على
الشرع ليس منه .
* * *
والإمام الصادق يفتح أبواب رحمة الله ويرفع الحرج ويبيح الرخص .
يقول ( الوضوء نصف الإيمان ) ويقول ( إنه توبة من غير استغفار )
ومع هذا سئل عن رجل يكون معه الماء في السفر ويخاف قلته ؟ فقال : " يتيمم بالصعيد ويستبقى الماء " .
ويقول : " من خاف عطشا فلا يهريق قطرة . وليتيمم بالصعيد .
فالصعيد أحب إلى " .
سئل عن رجل ليس معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين
أو نحو ذلك ( الغلوة مسافة مرمى السهم ) ؟ فقال " لا آمره أن يغرر بنفسه
فيعرض له لص أو سبع " .
وسئل عن رجل بالركية ( البئر ) وليس معه دلو . قال : " ليس
عليه أن يدخل الركية . لأن رب الماء هو رب الأرض . فليتيمم . إن الله
جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " .
الإمام جعفر الصادق ( ع ) — صفحة 300
مساهمون: عبد الحليم الجندي
ص٣٠٠