( سِيرُواْ ) أي : وقُلْنَا لَهُمْ : سِيرُوا وَلا قَولَ ثَمَّ ، لكن لَمَّا سُهِّلَتْ لَهُم أَسبابُ السَّيْرِ
فَكَأنَّهُم أُمِرُوا بهِ ، والمعنى : سِيرُوا إنْ شِئْتُم باللَّيلِ وإنْ شِئْتُم بالنَّهارِ ، فإنَّ الأَمْنَ فيهَا
لا يَختلِفُ باختِلافِ الأَوقَاتِ ، أو : سِيرُوا فيهَا ( ءَامِنِينَ ) لا يَخافُونَ وإنْ تَطَاوَلَتْ
مُدَّةُ سَفَرِكُم فيهَا وامتَدَّتْ أياماً وَلَيالِيَ .
( فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ ) وَبَعِّدْ على الدُّعَاءِ ، بَطرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوا العَافيةَ فَطَلَبُوا الكدَّ
والتَّعَبَ ، وقُرِئ : " ربُّنا بَاعَدَ بَينَ أَسْفَارِنا " ( 1 ) وهو قِراءَةُ البَاقِرِ ( عليه السلام ) ، " رَبُّنَا " مبتَدأٌ
والمعنى خلافُ الأوَّلِ ، وهو أنَّهُم استَبْعَدُوا مَسَائِرَهُم على قِصَرهَا لِفَرْطِ تَنَعُّمِهِم
( فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ ) يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهِم ، وَفَرَّقْنَاهُمْ تَفْريقَاً اتَّخَذَهُ النَّاسُ مَثَلاً
مضْرُوبَاً ، يقُولُونَ : ذَهَبُوا أَيْدِي سَبَأ ، وتَفَرقٌّوا أَيادِي سبأ ، قال كُثَيِّر :
أَيادِي سبَأ يا عَزَّ ما كُنتُ بَعْدكُمْ * فلم يَحْلُ بالعيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنْظرُ ( 2 )
( إنَّ فِي ذلِكَ لاَيَت ) وعِبَرَاً ( لِكُلِّ صَبَّار ) عن المَعَاصِي ( شَكُور ) للنِعَمِ
بالطَاعَاتِ .
وقُرِئ : ( صَدَّقَ ) بالتَشْديدِ والتَخْفيفِ ( 3 ) ، فَمَنْ شَدَّدَ فَعَلى : حَقَّقَ عَلَيهِم
إبْليسُ ظَنَّهُ ، أو : وَجَدَهُ صَادِقَاً ، ومَنْ خَفَّفَ فَعَلى : صَدَقَ في ظَنِّهِ . وقُرِئ : " صَدَّق "
بالتَشْديدِ " إبْليسَ " بالنَّصْبِ " ظَنُّهُ " بالرَّفعِ ( 4 ) ، والمعنى : وَجَدَ ظَنَّهُ صَادِقَاً حينَ
هامش
( 1 ) وهي قراءة محمد بن الحنفية وأبي العالية وأبي صالح ونصر بن عاصم ويعقوب ويروى عن
ابن عباس ، راجع تفسير القرطبي : ج 14 ص 290 .
( 2 ) وهو من أبيات يرثي بها عبد العزيز بن مروان ، ومعناه واضح . انظر ديوان كثيِّر عزَّة : ص 100 .
( 3 ) وبالتخفيف قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر . راجع كتاب السبعة في القراءات :
ص 529 .
( 4 ) وهي قراءة أبي الهجهاج ، قال أبو حاتم الرازي : لا وجه لهذه القراءة عندي . وقد أجازها
الفراء والزجَّاج . ونسبها القرطبي إلى جعفر بن محمّد ( عليهما السلام ) راجع إعراب القرآن للنحاس : ج 3
ص 343 ، وتفسير القرطبي : ج 14 ص 292 .