رَبِّي ، فيهِ خَيْرٌ كثيرٌ ، هو حَوْضٌ يَرِدُ عليهِ أُمَّتي يَومَ القيامةِ ، آنِيَتُهُ من فِضَّة عَدَدُ نُجُومِ
السَّمَاءِ ، فَيُخْتَلَجُ القرْنُ منْهُم فأَقُولُ : يا ربِّ إنَّهم من أُمَّتي ، فيقَالُ : إنَّك لا تَدْري
ما أَحدَثُوا بَعْدَكَ " . أورَدَهُ مسلمٌ في الصَّحيحِ ( 1 ) .
وعنِ ابنِ عبَّاس : أنَّه فَسَّرَ الكَوْثَرَ بالخَيْرِ الكَثيرِ ، فَقَالَ لَهُ سَعيدٌ بنُ جُبَيْر : فإنَّ
نَاساً يقُولُونَ : هو نهرٌ في الجنَّةِ ، فَقَالَ : هو مِنَ الخَيْر الكثير ( 2 ) .
وقيلَ : هو كَثْرَةُ النَّسْلِ والذَّرِّيةِ ( 3 ) ، وقد ظَهَرَ ذلكَ في نَسْلِهِ من وُلْدِ
فاطمةَ ( عليها السلام ) ، إذْ لا يَنْحَصِرُ عَدَدُهُم ، وَيَتَّصِلُ - بحَمْدِ اللهِ - إلى آخَرِ الدَّهْرِ مَدَدُهُم .
وهذا يُطابقُ ما ورِدَ في سَبَبِ نُزُولِ السُّورةِ : أنَّ العَاصَ بنَ وائِل السَّهمي سَمَّاهُ
الأَبْتَرَ لَمَّا تُوفِيَ ابنُهُ عَبدُ اللهِ ( 4 ) . وقَالَتْ قُرَيْشٌ : إنَّ محمَّداً صُنْبُور ( 5 ) ( 6 ) . فيكُونُ
تَنْفيساً عن النَّبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما وَجَدَهُ في نَفْسِهِ الكبيرةِ من جِهَةِ مَقَالِهِم ، وَهَدْماً
لِمَحَالِهِم .
وقيلَ : هو الشَّفَاعَةُ ( 7 ) . واللَّفْظُ مُحْتَملٌ للجَميع ، فَقَد أَعْطَاهُ سبحانَهُ ما لا غَايَةَ
لكَثْرتِهِ من خَيْرِ الدَّارَيْنِ .
وأمَّا ما ذَكَرَهُ جَارُ اللهِ ( 8 ) : أنَّ الكَوْثَرَ أَولادُهُ إلى يَوْمِ القيامةِ من أُمَّتِهِ فلَيْسَ
هامش
( 1 ) صحيح مسلم : ج 1 ص 300 ح 400 عن أنس .
( 2 ) رواه الطبري في تفسيره : ج 12 ص 718 و 720 .
( 3 ) حكاه الرازي في تفسيره : ج 32 ص 124 .
( 4 ) أورده الواحدي في أسباب النزول : ص 404 ح 934 - 936 عن ابن عباس ويزيد بن
رومان وعطاء .
( 5 ) رجل صنبور : فرد ضعيف ذليل ، لا أهل له ولا عَقِب ولا ناصر . ( لسان العرب : مادة صنبر ) .
( 6 ) أورده البغوي في تفسيره : ج 4 ص 534 عن عكرمة عن ابن عباس .
( 7 ) حكاه الرازي في تفسيره : ج 32 ص 127 .
( 8 ) وهو الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 807 .