وإمَّا بأنْ نَصَبَ الدليلَ عليهِ في عَقْلِهِ ، أو : بَيَّنَهُ لَهُ على أَلْسِنَةِ ملائكتِهِ ورُسُلِهِ ، فَكُلُّ
العُلُومِ ( 1 ) مضَافٌ إليهِ مستَفَادٌ منْهُ جَلَّ اسمُهُ .
( كَلاَّ ) رَدْعٌ وتَنْبيهٌ ( 2 ) لِمَنْ كَفَرَ بنِعْمَةِ اللهِ عليهِ بطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلاَلَةِ
الكلامِ عليهِ . ( أَنْ رَّءاهُ ) وأنْ رَأى نَفْسَهُ ، يُقَالُ في أَفْعَالِ القُلُوبِ : رأَيتُنِي ، وعَلِمْتُني ،
وذلك من خَصَائِصِها ، ولَوْ كانَتِ الرُّؤْيةُ بمعنَى الإِبْصَارِ لامْتَنَعَ في فِعْلِها الجَمْعُ بين
الضَّميرَيْنِ . و ( اسْتَغْنَى ) هو المفْعُولُ الثَّاني ، أي : لأَنْ رأَى نَفْسَهُ مستَغْنِيةً عن ربِّهِ
بأَموالِهِ وعَشيرتِهِ وقُوَّتِهِ . وعَنْ قَتَادَةَ : إذا أَصَابَ مالاً زَادَ في مَرَاكبِهِ وثيابِهِ وطَعَامِهِ
وشَرابِهِ فلذلكَ طُغْيانُهُ ( 3 ) .
( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الْرُّجْعَى ) وَاقِعٌ على طَريقةِ الالتفَاتِ إلى الإِنْسانِ تَحْذيراً لَهُ
من عاقِبَةِ الطُّغْيانِ ، و ( الرُّجْعَى ) مَصْدرٌ كالبُشْرَى ، بمعنَى الرُّجُوعِ . وقيلَ : نَزَلَتْ
في أَبي جَهْل ( 4 ) ، فَرُويَ أنَّهُ قَالَ : هَلْ يعفِّرُ محمَّدٌ وَجْهَهُ بينَ أَظْهُرِكُم ؟ قَالُوا : نَعَم ،
قَالَ : فوالَّذي يَحْلفُ بهِ لَئِنْ رأَيتُهُ يَفْعَلُ ذلكَ لأَطَأَنَّ عُنُقَهُ ، فَجَاءَهُ ثمَّ نَكَصَ على
عَقِبَيْهِ يتَّقي بيدَيْهِ ، فَقَالُوا : ما لَكَ يا أَبَا الحَكَمِ ؟ قَالَ : إنَّ بيني وبينَهُ لَخَنْدَقاً من نَار
وهَوْلاً وأَجْنِحَة ، وقَالَ ( عليه السلام ) : " والَّذِي نَفْسي بيدِهِ لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ الملائكةُ
عضْواً عضْواً " فَنَزَلَتْ : ( أَرَءَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إذَا صَلَّى ) ( 5 ) .
والمعنى : أَخْبِرْني عَمَّنْ يَنْهَى بَعْضَ عبادِ اللهِ عن صَلاتِهِ إنْ كانَ ذلكَ النَّاهِي
على طَريقَة شَديدَة فيما يَنْهى عنْهُ من عبَادِةِ اللهِ ( أَوْ ) كَانَ ( أَمَرَ بِالتَّقْوَى )
هامش
( 1 ) في نسخة : " المعلوم " .
( 2 ) في بعض النسخ زيادة : " على الخطأ " .
( 3 ) حكاه عنه عبد الرزّاق في تفسيره : ج 2 ص 313 .
( 4 ) قاله الفرّاء . راجع معاني القرآن : ج 3 ص 278 .
( 5 ) رواه مسلم في الصحيح : ج 4 ص 2154 ح 2797 .