( كَلاَّ ) رَدْعٌ عن مُعَاوَدَةِ مثْلِهِ ( إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) أي : موعِظَةٌ يَجِبُ الاتِّعَاظُ بها .
( فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ ) أي : كانَ حَافِظاً له غَيْرَ نَاس ، وذَكَّرَ الضَّميرَ لأنَّ " التَّذْكِرَةَ "
في معنى " الذِّكْرِ " .
( فِي صُحُف ) صِفَةٌ ل ( تَذْكِرَةٌ ) يعني : أنَّها مُثْبَتَةٌ في صُحُف مُنْتَسِخَة من
اللُّوحِ ( مُكَرَّمَة ) عنْدَ اللهِ . ( مَرْفُوعَة ) في السَّماءِ ، أو : مرفُوعَةِ المِقْدَارِ ( مُطَهَّرَة )
مُنَزَّهَة عن الشَّياطينِ ، لا يَمُسُّها إِلاَّ ( أَيْدِي ) ملائكة مُطَهَّرينَ ( سَفَرَة ) كَتَبَة
يَنْتَسِخُونَ الكُتُبَ من اللُّوحِ . ( كِرَام ) على ربِّهِم ( بَرَرَة ) أَتْقيَاء ، وقيلَ : هي صُحُفُ
الأَنبياءِ ( 1 ) ، كقَولِهِ : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الْصُّحُفِ الأُوْلَى ) ( 2 ) .
( قُتِلَ الاِْنْسَنُ ) دُعَاءٌ عليهِ ( مَا أَكْفَرَهُ ) تَعَجُّبٌ من إفْراطِهِ في كُفْرانِ نِعَمِ اللهِ
عزَّ اسمُهُ . ثمَّ وَصَفَ حالَهُ مُنْذُ ( 3 ) مبدَأ حُدُوثِهِ إلى منْتَهَاهُ ، وما هو مغْمُورٌ فيه من
أُصُولِ النِّعَمِ وفُروعِها الدَّاعيةِ إلى الإِيْمانِ والتَّوحيدِ ، المُوجِبَةِ للشُّكْرِ والعبَادَةِ ،
فَقَالَ : ( مِنْ أَيِّ شَىْء خَلَقَهُ ) أي : من أيِّ شيء حَقير مَهين أَنْشَأَهُ وابتَدأَهُ ؟ ثمَّ بيَّنَ
ذلك الشَّيء فَقَالَ : ( مَن نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) فَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلحُ له ويختَصُّ بهِ حالاً بعد
حَال ، وطَوْراً بعد طَوْر : نُطْفَةً ثمَّ عَلَقَةً إلى آخرِ خَلْقِهِ . ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) : نُصِبَ
( السَّبِيلَ ) بمُضْمَر يُفَسِّرُهُ : ( يَسَّرَهُ ) ومعنَاهُ : ثمَّ سَهَّلَ سبيلَهُ وهو مُخْرِجُهُ من بَطْنِ
أُمِّهِ ، أو : السَّبيل الذي يخْتَارُ سُلُوكَهُ من طَريقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ بإقْدَارهِ وتَمْكينِهِ ،
ونَحْوُهُ : ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) ( 4 ) ، وعنِ ابنِ عبَّاس : بَيَّنَ لهُ سبيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ ( 5 ) .
( فَأَقْبَرَهُ ) فَجَعَلَهُ ذَا قَبْر يُوارَى فيهِ تَكْرُمَةً لهُ ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مطْروحاً بالعَرَاءِ جَزَراً
هامش
( 1 ) قاله قتادة . راجع تفسير عبد الرّزاق : ج 2 ص 216 .
( 2 ) الأعلى : 18 .
( 3 ) في بعض النسخ : " من " بدل " منذ " .
( 4 ) البلد : 10 .
( 5 ) تفسير ابن عباس : ص 502 .