إنَّما النَّاشِئَةُ القِيَامُ بَعدَ النومِ ( 1 ) ، أو : العبادَةُ التي تنْشَأُ باللَّيلِ أي : تَحْدُثُ وتَرتَفِعُ ،
وقيلَ : هي ساعَاتُ اللَّيلِ كُلُّها لأنَّها تَحْدُثُ واحِدَةً بعد أُخرى ( 2 ) ، ( هِىَ أشَدُّ
وَطْئاً ) هي خَاصَّة دُونَ نَاشِئَةِ النَّهارِ ، أَشَدُّ مُواطَأَةً أي : مُوافَقَةً ، يُواطِئُ قَلْبُها لِسَانَها
إِنْ أرَدْتَ النَّفْسَ ، أو : يُواطِئُ فيها قَلْبُ القَائِم لِسَانَهُ إِنْ أرَدْتَ القِيَامَ أو العبادةَ أو
السَّاعَاتِ ، أو : أَشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادَ من الخُشُوعِ والإِخْلاصِ ، وعن الحَسَنِ : أَشَدُّ
مُوافَقَةً بين السرِّ والعَلانيَةِ لانْقِطاعِ رؤْيةِ الخَلاَئق ( 3 ) . وقُرِئَ : " أَشَدُّ وِطَاءً " ( 4 )
والمعنى : أَشَدُّ ثَبَاتِ قَدَم ، وأَبْعَدُ من الزَّلَلِ ، أو : أَثْقَلُ وأَشَدُّ على المُصَلِّي من صَلاَةِ
النَّهارِ ( وَأقْوَمُ قِيلاً ) وأَثْبَتُ قِرَاءَةً وأَشَدُّ مَقَالاً لِهُدوءِ الأصْواتِ وانقِطَاعِ الشَّواغِل .
( إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً ) أي : تَصَرُّفاً وتَقَلُّباً في مهمَّاتِكَ ومَشَاغِلِكَ ولا
تَفْرغُ إلاَّ باللَّيلِ ، فاجْعَلِ اللَّيلَ لِعبَادَتِكَ ومنَاجَاةِ ربِّكَ لِتَفُوزَ بِخَيْرِ الدُّنيا والآخِرَةِ .
( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ) ودُمْ عَلَى ذِكْرِهِ ، والذِكْرُ يَتَنَاولُ كلَّ تَحْميد وصَلاة وتِلاَوةِ
قُرآن وعِبَادة ( وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ ) وانقَطِعْ إليهِ ، وقَالَ : ( تَبْتِيلاً ) لأنَّ معنى " تَبتَّلَ " : بَتَّلَ
نَفْسَهُ ، فَجِيء بهِ على معنَاهُ مُراعَاةً للفَوَاصِلِ .
( رَبُّ الْمَشْرِقِ ) رُفِعَ على المَدْحِ ( فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ) مُسَبِّبٌ على التَّهليلِ ، أي :
هو الذي يَجِبُ - لتَفَرُّدِهِ بالوحدانيَّةِ والربوبيَّةِ - أَن تُوكَلَ إليهِ الأُمُورُ ، وقيل :
( وَكِيلاً ) كفِيلاً بِمَا وَعَدَكَ من النَّصْرِ ( 5 ) .
والْهَجْرُ الْجَميلُ : أَن يُخَالِفَهم بقَلْبِهِ وهَوَاهُ ، ويُخَالِفَهُم في الظَّاهِر بِلِسَانِهِ ودَعْوتِهِ
هامش
( 1 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 638 .
( 2 ) قاله ابن قتيبة . راجع تفسير الماوردي : ج 6 ص 127 .
( 3 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 639 .
( 4 ) قرأه ابن عامر وأبو عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 658 .
( 5 ) قاله الفرّاء والزجَّاج كلٌّ منهما في كتابه معاني القرآن : ج 3 ص 198 وج 5 ص 241 على
الترتيب .