كتابٌ من حَاطِب إلَى المشركينَ ، فَخُذُوهُ منْها ، فَخَرجوا حتَّى أَدركُوها في ذلك
المَكَانِ فَجَحدَتْ وحَلَفَتْ ، فَهَمُّوا بالرُّجُوعِ ، فَقَالَ عليٌّ ( عليه السلام ) : واللهِ ما كَذِبْنَا ولا كَذِبَ
رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وَسَلَّ سيْفَهُ وقَالَ : أخرُجِي الكتابَ وإلاَّ - واللهِ - لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكِ ،
فأَخْرَجَتْهُ من عِقَاصِ شَعْرِها ( 1 ) .
ورُوِي : أنَّ حَاطِباً قَالَ : يا رَسُولَ الله ، واللهِ ما كَفَرْتُ منذُ أَسْلَمْتُ ، ولكنِّي كنتُ
عَزيزاً في قُريش - أي : غَريباً - ولَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفَسِها ، وَكُلُّ مَنْ مَعَكَ من المهاجرينَ
لَهُم قَراباتٌ بمكَّةَ يحمُون أَهَالِيهم وأمْوالَهُم ، فأَرَدْتُ أَن أتَّخِذَ عنْدَهُم يَداً ، وقَد
عَلِمْتُ أنَّ اللهَ تعالى يُنْزِلُ عَلَيهم بأْسَهُ ، وأَنَّ كتابي لا يُغْني عَنْهم شيئاً ، فَعَذَّرَهُ ( 2 ) .
" العدُّو " وَقَعَ مَوْقعَ الجَمْعِ ( تُلْقونَ ) حَالٌ من الضَّميرِ في ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) ،
أَو صِفَةٌ ل ( أَوْلِيَآء ) ، أو استِئْنَافٌ . والإِلْقَاءُ : عبارةٌ عن إيْصَالِ المَوَدَّةِ والإِفْضَاءِ بها
إليهِم ، والباءُ في ( بِالْمَوَدَّةِ ) إِمَّا مَزيدَةٌ مؤَكِّدَةٌ للتَّعَدِّي مِثْلُها في قَولِهِ : ( وَلاَ تُلْقُواْ
بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ( 3 ) ، وإِمَّا ثَابتَةٌ علَى أنَّ مَفْعُولَ ( تُلْقُونَ ) محذُوفٌ ، مَعْنَاهُ :
تُلْقُونَ إليهم أَخْبارَ الرَّسُولِ بسَبَبِ المَودَّةِ الَّتي بينَكُم وبينَهُم . وكذلك قَولُهُ : ( تُسِرُّونَ
إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) أي : تُفْضُونَ إليهم بِمَودَّتِكُم سِرّاً ، أو : تُسِرُّونَ إليهم أَسْرارَ
رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بسَبَبِ المَوَدَّةِ ( وَقَدْ كَفَرُواْ ) حَالٌ من ( تُلْقُونَ ) ، أي : تُوادُّونَهُم
وهذه حَالُهُم ( يُخْرِجُونَ الْرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ) هو كالتَّفْسيرِ لِكُفْرِهِم ، أو : حَالٌ من
( كَفَرُواْ ) ، و ( أَنْ تُؤْمِنُواْ ) تَعليلُ ل ( يُخْرِجُونَ ) أي : يُخْرِجُونَكُم لإِيْمانِكُم
( إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ ) شَرْطٌ جَوابُهُ مَحذُوفٌ لدَلاَلةِ مَا قَبلَهُ عليهِ ، وهو متَعَلّقٌ
ب ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) . والمعنى : إنْ كنْتُم أَوليَائي فَلاَ تَتَولَّوا أَعْدائي ( تُسِرُّونَ إِلَيْهِم
هامش
( 1 ) أُنظر أسباب النزول للواحدي : ص 358 ح 863 .
( 2 ) رواه عبيد الله بن أبي رافع عن عليٍّ ( عليه السلام ) . راجع المصدر السابق : 864 .
( 3 ) البقرة : 195 .