رُوِي ذلكَ عن ابنِ مسعود ( 1 ) .
( يَغْشَى الْنَّاسَ ) أي : يَشْمِلُهُم ويلْبِسُهُم ، وهو في محلِّ الجرِّ صفةً ل ( دخان )
أي : يقُولُونَ : ( هذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) إلى قَولِهِ : ( مُؤْمِنُونَ ) ، و " يَقُولُونَ " المحذُوفُ
نَصْبٌ على الحالِ أي : قَائِلينَ ذلكَ . وَ ( إنَّا مُؤمِنُونَ ) مَوعِدَةٌ بالإِيْمانِ إنْ كُشِفَ
العَذَابُ عنْهُم ( أنَّى لَهُمُ الْذِّكْرَى ) كَيفَ يذْكُرونَ ويتَّعظُونَ ويَفُونَ بِوَعْدِهِم
( وَقَدْ جَآءَهُمْ ) ما هو أَعْظَمُ من كَشْفِ الدُخَانِ ، وهُو ما ظَهَرَ على رسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
من الآياتِ البيِّناتِ من الكِتَابِ المُعْجِزِ وغَيْرِهِ من المُعْجزَاتِ القَّاهِرةِ ، فَلَمْ يَذَّكَروا
وَ ( تَوَلَّوْاْ عَنْهُ ) وبَهَتُوهُ ، بأَنَّ غُلاماً أَعْجَمِيَّاً اسمُهُ عَدَّاسُ هو الذي عَلَّمَهُ ، ونَسَبُوهُ
إلى الجُنُونِ .
ثمَّ قَالَ : ( إنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ ) الجُوعِ والدُخانِ ( قَليلاً إِنَّكم عَآئِدُونَ ) أي :
ريثما يُكْشَفُ عنْكُم العَذَابُ تَعودُونَ إلى شِرْكِكِم ، لا تلبثُونَ غِبّ الكَشْفِ على ما
أَنْتُم عليهِ من الابتهالِ والتَضَرُّعِ . ومَن جَعَلَ الدُخَانَ قَبلَ يَومِ القيامةِ قَالَ في قَولِهِ :
( إنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ ) : إنّه إذا أَتَتِ السَّماءُ بالدُخَانِ تَضَرَّعَ المعذَّبُونَ بهِ وقَالُوا : ربّنا
اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُنيبُونَ مؤْمِنُونَ ، فَيكْشِفُه اللهُ عنْهُم ، فَريثما يكْشِفُهُ عنْهُم
يَرتَدُّونَ .
ثمَّ قَالَ : ( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ ) يُريدُ : يومَ القيامةِ ، كقَولِهِ : ( فَإذَا جَآءَتِ الطَّامَّةُ
الْكُبْرَى ) ( 2 ) ، ( إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ) نَنْتَقِمُ منْهُم في ذلكَ اليَومِ ، فانتَصَبَ ( يَوْمَ نَبْطِشُ )
بما دَلَّ عليهِ ( إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ) ، لأنَّ ما بَعد " إنَّ " لا يعملُ فيمَا قَبْلَها . وقُرئ :
( نَبْطِش ) بِضَمِّ الطاءِ ( 3 ) وكَسْرِها .
هامش
( 1 ) رواه عنه الطبري في تفسيره : ج 11 ص 225 .
( 2 ) النازعات : 34 .
( 3 ) وهي قراءة الحسن وأبي جعفر المدني . راجع شواذ القرآن لابن خالويه : ص 138 .