آثارُهُمْ : أَبنِيتُهُم العظيمةُ الّتي بَنَوْهَا ، وقُصُورُهُم ومَصَانِعُهُم ، وقيلَ : مَشْيُهُم
بأَرْجُلِهِم لِعِظَمِ أَجْرامِهِم ( 1 ) ( فَمَا أَغْنَى ) : " ما " نَافيةٌ أو استفهاميّةٌ في محلِّ نَصْب
و " مَا " الثَّانيةُ مصدريّةٌ أو موصُولةٌ في محلِّ رَفْع معنَاهُ : أَيُّ شيء أَغْنى عَنْهُم
مكسُوبُهُم أو كَسْبُهُم .
( فَرِحُواْ بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ ) قيلَ فيهِ وجُوهٌ : أَحَدُها : أَنَّه ورِدَ على طريقِ
التَهَكُّمِ ، كَمَا في قَولِهِ : ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) ( 2 ) وعِلْمُهُم في الآخرةِ أَنَّهم
كانُوا يقُولُونَ : لا نُبْعَثُ ، وكانُوا يَفْرحُونَ بذلكَ وَيَدفَعُونَ بهِ عِلْمَ الأنبياءِ ( 3 ) . والآخرُ :
أَنَّ المُرادَ عِلْمُ الفَلاسِفَةِ كانُوا يُصَغِّرونَ عِلْمَ الأَنبياءِ إلى عِلْمِهِم ( 4 ) .
وعَنْ سُقْراط أَنَّه قيلَ : ائْتِ موسى ( عليه السلام ) وكانَ في زَمانِهِ ، فَقَالَ : نَحْنُ قَومٌ
مُهَذَّبُونَ ، فَلاَ حَاجَة بِنَا إلى مَنْ يَهْدِينا ( 5 ) .
هامش
( 1 ) قاله مجاهد . راجع تفسير الطبري : ج 11 ص 81 .
( 2 ) النمل : 66 .
( 3 ) وهو قول مجاهد . راجع تفسير الطبري السابق : ص 82 .
( 4 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 182 .
( 5 ) في هامش النسخة المطبوعة كلام للمعلّق ، يقول : " نقل العلاّمة المصنّف رحمه الله هذه
القصَّة تبعاً للعلاّمة الزمخشري في الكشّاف ، ونقْلُها منهما مع تبحّرهما وكونهما من أهل
البحث والتحقيق في غاية الغرابة : فإنَّ سقراط توفّي قبل ميلاد المسيح ( عليه السلام ) بأربعمائة سنة ،
وله ثمانون سنة أو أزيد ، وكان موسى ( عليه السلام ) قبل سقراط بأزيد من ألف عام ، فإنّ بين زمان
موسى ( عليه السلام ) وعيسى ( عليه السلام ) الف وستمائة سنة على ما في تفسير الشيخ الثقة عليّ بن إبراهيم
رحمه الله أو كان أزيد منها على ما في بعض كتب التواريخ ، فأين سقراط - وهو الحكيم
الإلهي الّذي كان يدعو قومه إلى التوحيد مع جهاده ونضاله الدائم طيلة حياته مع عَبَدَة
الأوثان حتّى سقوه سُمَّاً - من زمان موسى ( عليه السلام ) ؟ ! وما ذكرناه غير خفيّ على الباحث المنقب ،
فلاحظ التواريخ والتفاسير وكتب الحديث حتّى تجد صدق ما قلناه ، ولا تغترّ بجلالة
المصنّف وصاحب الكشّاف ، وترحّم بما يقال قديماً : ( كم ترك الأوّل للآخر ) . وذكر في بعض
الكتب مثل هذه القصَّة الواهية في حقّ أفلاطون الإلهي أو جالينوس مع عيسى ( عليه السلام ) " .