منْهُ هو اللهُ عزَّو جلَّ لأنَّهُ الآمِرُ بالذَّبْحِ ، والفَادي هو إبراهيمُ ( عليه السلام ) ، وَهَبَ اللهُ سبحانه
لَهُ الكبْشَ لِيُفْدَى بهِ . وَإِنَّما قَالَ : ( وَفَدَيْنَهُ ) إسْنَاداً للفداءِ إلى السَّبَبِ الذي هو
المُمكنُ من الفداءِ بهبَتِه .
واختُلِفُ في الذَّبيحِ على قولَيْنِ : أَحَدِهُمَا : أنَّهُ إسحاقُ ، والأَظْهَرُ في الرواياتِ
أنَّهُ إسماعيلُ ، ويَعضِدُهُ قَوْلُ النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أنا ابن الذَّبيحَيْنِ " ( 1 ) وكذلكَ قَولُهُ
سبحانَهُ بعد قصَّةِ الذَّبْحِ : ( وَبَشَّرْنَهُ بإسَْحقَ نَبِيًّا مِنَ الْصَّلِحِينَ ) ولا بُدَّ من تقديرِ
مُضَاف محذُوف ، أي : بوجودِ إسْحاقَ ، و ( نَبِيِّاً ) حالٌ مقدَّرَةٌ ، والمعنى : بأَنْ يُوجَدَ
مُقَدَّرَةٌ نُبُوَّتُهُ ، والعامِلُ في الحالِ الوجُودُ لا فِعْلُ البشَارَةِ ، فيكُونُ نَظيرَ قَولِهِ :
( فادْخُلُوهَا خَلِدِينَ ) ( 2 ) ، وقَولُهُ : ( مِنَ الْصَّلِحِينَ ) حالٌ ثانيةٌ وَرَدَتْ على سبيلِ
الثَّناءِ والتَقْريظِ ، لأنَّ كلَّ نبيٍّ لابدَّ أَنْ يكُونَ من الصَّالحينَ .
( وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ وعَلَى إسْحَقَ ) أي : جَعَلْنَا ما أَعطينَاهُما من الخَيْرِ دائِمَ البَرَكَةِ
ثَابتَاً نَامِيَاً ، ويجوزُ أَن يكُونَ المُرادُ كثْرَةَ وُلْدِهِمَا وبَقَاءَهُم قرْناً بعد قرْن إلى أَن تقُومَ
السَّاعة .
( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ ( 114 ) وَنَجَّيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ
الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 115 ) وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَلِبِينَ ( 116 ) وَءَاتَيْنَهُمَا
الْكِتَبَ الْمُسْتَبِينَ ( 117 ) وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 118 ) وَتَرَكْنَا
عَلَيْهِمَا فِي الأْخِرِينَ ( 119 ) سَلَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ ( 120 ) إِنَّا كَذَا لِكَ
نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ( 121 ) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 122 ) )
( الْكَرْب الْعَظِيم ) تَسْخيرُ قَوْمِ فِرْعَون إيَّاهُمْ ، واستِعْمَالُهُم في الأَعْمالِ
هامش
( 1 ) رواه ابن عساكر في تاريخه : ج 2 ص 150 .
( 2 ) الزمر : 73 .