وقُرئ : " مَاذَا تُرِي " ( 1 ) بضمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ ، معناهُ : أجَلَداً تُرِي على ما تُحْمَلُ
عليهِ أَمْ خَوَراً ؟ ( افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) أي : ما تُؤْمَرُ بِهِ ، فَحُذِفَ الجَارُّ كَمَا حُذِفَ من
قولِهِمْ :
أمرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ( 2 ) .
أو : " أمرك " على إضافةِ المصدرِ إلى المفعولِ ، وتَسمية المأْمُورِ بهِ أَمْراً .
وقَرَأَ عليٌّ ( عليه السلام ) وابنُ عبَّاس : " سَلَّمَا " ، يقالُ : سَلَّمَ لأَمْرِ اللهِ وأسلَمَ واستَسلَمَ : إذا
انقادَ وخَضَعَ ، وحقيقةُ معنَاهُ : أَخْلَصَ نفسَهُ للهِ وجَعَلَها سالمةً لَهُ وخَالصَةً . وعن
قتادةَ في ( أَسْلَمَا ) : أَسْلَمَ هذا ابنَه ، وأَسْلَم هذا نَفْسَه ( 3 ) ، وجَوابُ " لَمَّا " محذوفٌ ،
وتَقديرُهُ : ( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ، وَنَدَيْنهُ أَنْ يَإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الْرُّءْيَآ )
كانَ ما كانَ ممَّا لا يُحيطُ بهِ الوَصْفُ من شكرِهِما للهِ على ما أَنْعَمَ به عليهِمَا من دَفْعِ
البلاءِ العظيمِ بعد حلُولِهِ ، وما فَازَا به من رضوانِ اللهِ واكتسابِ الثَّوابِ والأَعواضِ
الجليلةِ ، والتَّلُّ : الصَّرْعُ ، يُقالُ : وَضَعَ جَبِينَهُ على الأرض لئلاَّ يرى وَجْهَهُ فَيلْحَقُهُ رقَّةُ
الآباءِ . ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) أي : فَعَلْتَ ما أُمِرْتَ بهِ في الرُّؤْيا .
وقَولُهُ : ( إنَّا كَذلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ) تَعليلٌ لِتَخْويلِ ما خَوَّلَهُمَا اللهُ من الفَرَجِ
بعد الشِّدَّة . ( إنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلَؤُاْ الْمُبِينُ ) أي : الامتِحَانُ الظَّاهِرُ والمحنةُ الصَّعبةُ
التي لا مِحْنَةً أَصْعبُ مِنْها ، أو : الاختِبَارُ البيِّنُ الذي يَتَمَيَّزُ فيه المخلِصُونَ من غَيرِهِم .
( وَفَدَيْنَهُ بِذِبْح ) وهو المُهَيَّأُ لأَن يُذبَحَ ( عَظِيم ) ضَخمِ الجثَّةِ سَمين ، والمُفْتَدى
هامش
( 1 ) قرأه حمزة والكسائي . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 637 .
( 2 ) وعجزه : فَقَد تَركتُكَ ذَا مَال وذَا نَسَبِ . لعباس بن مرداس السلمي ، وقيل : لعمرو بن
معديكرب ، وقيل لخفّاف بن ندبة وقيل لغيرهم . تقدّم شرح البيت في ج 2 ص من سورة
الحجر آية : 94 فراجع .
( 3 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 55 .