وَصِلَةَ الرَّحِمِ تُعَمِّرانِ الدِّيَارَ وتُزِيدَانِ في الأَعْمَار " ( 1 ) .
ثمَّ ضَرَبَ " الْبَحْرَيْنِ " : العَذْبَ والْمِلْحَ مَثَلَيْنِ للمُؤْمنِ والكَافِر ، ثمَّ قَالَ على
سَبيلِ الاستِطْرادِ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ ومَا عَلَّقَ بِهِما من نعمة ( وَمِنْ ) كلِّ واحِد مِنْهُمَا
( تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيَّاً ) وهو السَّمَكُ ( وَتَسْتَخْرِجْونَ حِلْيَةً ) وهو اللُّؤلؤ والْمَرْجَانِ
( مِنْ فَضْلِهِ ) من فَضْلِ اللهِ ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الآيةِ ولكنْ فيمَا قَبْلَها ، ولَوْ لَمْ يَجْرِ
ذِكْرُهُ لَمْ يُشْكَلْ ؛ لِدَلاَلةِ المعنى عليهِ ، وَحَرْفُ الرَّجَاءِ مُستَعَارٌ بمعنَى الإِرادة ؛ كَأنَّهُ
قيلَ : لِتَبتَغُوا ولِتَشْكُرُوا . ويُحتَمَل غَيْرُ طَريقَةِ الاستِطْرادِ وهو أَن يُشَبِّهَ الجِنْسَيْنِ
بالبَحْرَيْنِ ، ويُفَضِّلُ البَحْرَ الأُجَاجَ علَى الكافِرِ بأنَّهُ قَد شَارَكَ العَذْبَ في مَنَافِعَ : من
السَّمَكِ واللُّؤْلُؤِ وجَرْيِ الْفُلْكِ فيهِ ، والكَافِرُ خَال من النَفْعِ .
( ذلِكُمْ ) مبتَدَأٌ ، و ( اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ) أَخْبَارٌ متَرادِفةٌ ، والقِطْمِيرُ : قِشْرُ
النَّوَاةِ . ( لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ ) لأنَّهُم جَمَادٌ ( وَلَوْ سَمِعُواْ ) على سَبيلِ الفَرْضِ
والتَقْديرِ لَ ( مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ ) لأنَّهُمْ لا يَدَّعُونَ ما تَدَّعُونَ لَهُم من الإلهيّةِ ( وَيَوْمَ
الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ ) بإِشْرَاكِكُمْ لَهُم وعبَادَتِكُم إيَّاهُم ، يقُولُونَ : ( مَا كُنْتُمْ إيَّانَا
تَعْبُدُونَ ) ( 2 ) ، ( وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير ) ولاَ يُخْبِرُكَ بالأَمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ خَبير عَالِم بهِ ،
يُريدُ أنَّ الخَبيرَ بالأَمْرِ وحدَهُ هو الَّذي يُخْبِرُكَ بالحَقيقةِ دُونَ سائِر المُخْبِرينَ ،
والمعنى : أنَّ ما أَخْبَرْتُكُم بهِ من حَالِ مَعْبُوديِهِم هو الحَقٌّ ، لأنِّي عَالِمٌ خَبيرٌ بما
أَخْبَرتُكُم بِهِ .
وعَرَّفَ الفُقَراءَ لِيُريِهِم سُبحانَهُ أنَّهُم جِنْسُ الفُقَراءِ لِشدَّةِ افتِقَارِهِم إليهِ ، وَلَوْ نَكَّرَ
لَكَانَ المعنى : أَنْتُم بَعْضُ الفُقَراءِ ، وَلَمَّا أَثْبَتَ فَقَرَهُم إليهِ وغِنَاهُ عَنْهُم ذَكَرَ ( الْحَمِيد )
هامش
( 1 ) رواه المنذري في الترغيب والترهيب : ج 3 ص 335 .
( 2 ) يونس : 28 .