ثمَّ عَرَّفَ سبحانَهُ أنَّ ما يُطْلَبَ بهِ العزَّةُ عندَهُ هو الإِيمانُ والعَمَلُ الصَّالِحُ بقَولِهِ :
( إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ) والكَلِمُ : جَمْعُ كَلِمَة ، وكُلُّ جَمْع
ليس بينَهُ وبينَ وَاحِدِهِ إلاَّ الهَاءَ جَازَ فيهِ التَّذْكيرُ والتَّأْنيثُ ، يقُولُ : هذا كَلِمٌ وهذهِ
كَلِمٌ ، ومعنىَ الصُّعُودِ هنا هو القبُولُ ، وكُلُّ ما يَتَقَبَّلَهُ اللهُ تعالى من الطاعاتِ يُوصَفُ
بالرَّفْعِ والصُّعُودِ ، لأنَّ الملائِكةَ يكتُبُون أعمالَ بني آدمَ ويَرفَعُونَها إلى حَيثُ يَشَاءُ
اللهُ تعالى ، كَمَا في قَولِهِ تعالى : ( كَلاَّ إنَّ كِتَابَ الأْبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) ( 1 ) ، و ( الْكَلِمُ
الطَّيِّبُ ) : تَمجيدُهُ وتَقْديسُهُ وتَحْميدُهُ ، وأَطْيَبُ الكَلِم : لا إلهَ إلاَّ الله ( وَالْعَمَلُ
الْصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ) أَي : يَرفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ إلَى اللهِ ، فالهَاءُ ضَميرُ ( الْكَلِم ) ، وقيلَ :
مَعنَاهُ : والعَمَلُ الصَّالحُ يَرفَعُهُ الكَلِمُ الطَّيبُ ( 2 ) ، أَي : لا يَنْفَعُ العَمَلُ إلاَّ إذا صَدَرَ عن
التَّوحيدِ ، وقيلَ : معنَاهُ : والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ اللهُ لِصَاحبِهِ ( 3 ) . فَعَلَى الوجْهَيْنِ
الأَخيرَيْنِ يكُونُ الهَاءُ ضَميرُ ( العَمَل ) .
( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ ) المَكْرَاتِ ( الْسَّيِّئَاتِ ) أَو أَصنَافَ المُكُرِ السيِّئَاتِ ،
فَهي صِفَةٌ للمَصْدَرِ أو لِمَا في حُكْمِهِ ، وقيلَ : عَنى بِهِنَّ مَكْراتِ قُرَيْش حينَ اجتَمَعُوا
في دار النَّدوةِ وتَداورُوا الرَّأيَ في إحدَى المَكْرَاتِ الثَلاثِ : إمَّا إثْباتُ رسولِ اللهِ ،
وإمَّا قَتْلُهُ ، وإمَّا إخْراجُهُ ، كَمَا حَكَى اللهُ عَنْهُم في قَولِهِ : ( وَإذْ يَمْكُرْ بِكَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ ) الآية ( 4 ) ، ( 5 ) ( وَمَكْرُ أُولَئِكَ ) الَّذينَ مَكَرُوا تلكَ المَكْرَات ( هو )
خاصَّةً ( يَبُورُ ) أي : يَكسُدُ ويَفْسُدُ دُونَ مَكْرِ اللهِ بِهِم حينَ أَخْرَجَهُم من مكَّةَ
وقَتَلَهُم وأَثْبَتَهُم في قَليبِ بَدْر ، فَجَمعَ اللهُ عليهِم مَكْرَاتِهِمْ .
هامش
( 1 ) المطفّفين : 18 .
( 2 ) قاله الحسن البصري في تفسيره : ج 2 ص 224 .
( 3 ) قاله قتادة والسدي . راجع تفسير الماوردي : ج 4 ص 464 .
( 4 ) الأنفال : 30 .
( 5 ) قاله الزمخشري في الكشّاف : ج 3 ص 603 .