لأن الولادة من صفات الأجسام وصانع الأجسام ليس بجسم حتى يكون والدا ،
ولأن الولادة لا تكون إلا بين زوجين ولا يصح أن يكون له صاحبة تزاوجه
* ( وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم ) * ومن كان بهذه الصفة فهو غني عن كل
شئ * ( ذلكم ) * إشارة إلى الموصوف بالصفات المتقدمة ، وهو مبتدأ وما بعده
أخبار مترادفة له ، وهي : * ( الله ) * ، * ( ربكم ) * ، * ( لا إله إلا هو ) * ، * ( خلق كل شئ ) *
أي : ذلكم الجامع لهذه الصفات * ( فاعبدوه ) * لأن من استجمعت له هذه الصفات
حقت له العبادة * ( وهو على كل شئ وكيل ) * أي : حفيظ مدبر ، ولكل شئ من
الأرزاق والآجال مالك * ( لا تدركه الابصار ) * البصر : الجوهر اللطيف الذي به
تدرك المبصرات ، والمعنى : أنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته ، فالأبصار
سورة الأنعام / 104 - 105
لا تدركه ، لأنها إنما تدرك ما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والألوان
* ( وهو يدرك الابصار ) * وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة
التي ركبها الله في حاسة النظر وهي الأبصار ولا يدركها مدرك سواه * ( وهو
اللطيف ) * يلطف عن أن تدركه الأبصار * ( الخبير ) * بكل لطيف ، فهو يدرك الأبصار
ولا تلطف عن إدراكه ، وهذا من باب اللف والنشر ، وروي عن الرضا ( عليه السلام ) : أنها
الأبصار التي في القلوب ( 1 ) ، أي : لا يقع عليه الأوهام ولا يدرك كيف هو ( 2 ) .
هامش
( 1 ) المنسوب إلى الإمام الرضا ( عليه السلام ) : ص 384 تفسير العياشي : ج 1 ص 373 ح 79 .
( 2 ) قال الزجاج : أعلم عز وجل أنه يدرك الأبصار ، وفي هذا الإعلام دليل أن خلقه لا يدركون
الأبصار ، أي لا يعرفون كيف حقيقة البصر ، وما الشئ الذي صار به الانسان يبصر بعينيه دون
أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه . . . إلى أن قال : فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح
عن رسول الله فغير مدفوع . وليس في هذه الآية دليل على دفعه ، لأن معنى هذه الآية معنى
إدراك الشئ والإحاطة بحقيقته ، وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث .
وقال الشيخ الطوسي ( قدس سره ) : في هذه الآية دلالة واضحة على أنه تعالى لا يرى بالأبصار ،
لأنه تمدح بنفي الإدراك عن نفسه ، وكلما كان نفيه مدحا غير متفضل به فاثباته لا يكون
إلا نقصا ، والنقص لا يليق به تعالى . . . إلى آخر قوله الشريف وبحثه الغني اللطيف راجع
معاني القرآن : ج 2 ص 278 - 279 ، والتبيان : ج 4 ص 223 - 225 .