لا تنفد ، فكما أنه الكتاب الرابط بين الخالق وخلقه ، فكان مبشرا للمؤمنين
ومنذرا للكافرين ، كذلك هو المبين لأحكام الله وشرائعه ، فكان ذا بطون عديدة
وتأويلات مختلفة ، ثم حث الناس على اقتفاء أثر هذه البطون واستجلاء حقائقها
وبيانها للناس ، فقال عز من قائل : * ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب
أقفالها ) * ( 1 ) ، وقال عز اسمه : * ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلفا كثيرا ) * ( 2 ) .
ثم جاءت السنة النبوية الشريفة لتقرر هذا الحث وتدعو له ، قال رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) : " القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن هو حبل الله ،
وهو النور المبين ، والشفاء النافع " ( 3 ) .
وقال ( صلى الله عليه وآله ) أيضا : " إن أردتم عيش السعداء ، وموت الشهداء ، والنجاة يوم
الحسرة ، والظل يوم الحرور ، والهدى يوم الضلالة ، فادرسوا القرآن ، فإنه كلام
الرحمن ، وحرز من الشيطان ، ورجحان في الميزان " ( 4 ) .
اهتمام المسلمين بالقرآن :
ولهذا اهتم المسلمون بالقرآن اهتماما بالغا منذ صدوره من المشرع الحكيم
إلى رسوله الكريم ، واستمر بعد وفاته قرنا بعد قرن وحتى عصرنا الحاضر ، بحيث
لم يشهد تاريخ الديانات والشرائع لها مثيلا ولا نظيرا ، ذلك أنه ما حظي كتاب في
تاريخ البشرية بمثل ما حظي به القرآن العظيم عناية ورعاية من حيث : جمعه وحفظه ،
وكتابة آياته ، وإعراب كلماته وضبط قراءاته ، وشرح مفرداته ، وتفسير آياته ،
وبيان بديعه ، وإظهار إعجازه ، واستخراج موضوعاته ، وترجمة آياته وكلماته ،
وبيان أحكامه ، وتفصيل محكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه ، . . . إلى غير ذلك .
هامش
( 1 ) محمد : 24 .
( 2 ) النساء : 82 .
( 3 ) جامع الأخبار للسبزواري : ص 114 ، مستدرك الحاكم : ج 1 ص 555 .
( 4 ) أمالي الطوسي : ج 1 ص 5 ، جامع الأخبار للسبزواري : ص 115 .