فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ) * ( 99 )
* ( توفيهم ) * يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ : " توفتهم " ( 1 ) ، ويجوز أن
يكون مضارعا بمعنى تتوفاهم ، وقرئ في الشواذ : " توفاهم " ( 2 ) فيكون مضارع
" وفيت " ، والمعنى : أن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها ، أي : يمكنهم من
استيفائها فيستوفونها * ( ظالمي أنفسهم ) * في حال ظلمهم أنفسهم * ( قالوا ) * أي :
قال الملائكة للمتوفين : * ( فيم كنتم ) * أي : في أي شئ كنتم من أمر دينكم ؟ * ( قالوا
كنا مستضعفين في الأرض ) * وهم جماعة أسلموا بمكة ولم يهاجروا حين كانت
الهجرة فريضة ، فلما خرج المشركون إلى بدر لم يخلفوا أحدا إلا صبيا أو مريضا
أو شيخا كبيرا ، فخرج هؤلاء معهم فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا ، فأصيبوا
فيمن أصيب من المشركين بهم ، فنزلت ( 3 ) الآية فيهم ، وصح قولهم : * ( كنا
مستضعفين ) * جوابا عن * ( فيم كنتم ) * لأنه كالتوبيخ لهم بأنهم لم يكونوا في شئ
من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فاعتذروا مما وبخوا به
بالاستضعاف وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة ، فبكتهم الملائكة بأن قالوا : * ( ألم تكن
أرض الله وا سعة فتهاجروا فيها ) * أي : كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى
بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، وهذا يدل على أن الإنسان إذا
كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر الدين لبعض العوائق وعلم أنه في غير بلده
أقوم بحق الله وجبت عليه المهاجرة .
وفي الحديث : " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض
هامش
( 1 ) انظر الكشاف : ج 1 ص 555 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 3 ص 334 .
( 2 ) قرأه إبراهيم كما حكاه عنه أبو حيان في البحر المحيط : ج 3 ص 334 .
( 3 ) راجع أسباب النزول للواحدي : ص 145 - 146 .