بالوصية والتوبة ، وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله
لتكون آخر كلامه .
ثم النهي عن عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور ، من
لطم الخدود ، وشق الثياب ، وحلق الرؤوس ، ورفع الصوت
بالندب والنياحة وتوابع ذلك . وسن الخشوع للميت ،
والبكاء الذي لا صوت معه ، وحزن القلب ، وكان يفعل ذلك ،
ويقول : " تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي
الرب " .
وسن لامته الحمد والاسترجاع ، والرضى عن الله ، ولم يكن
ذلك منافيا لدمع العين ، وحزن القلب ، ولذلك كان أرضى
الخلق في قضائه وأعظمهم له حمدا ، وبكى مع ذلك يوم مات
ابنه إبراهيم ، رأفة منه ورحمة للولد ، ورقة عليه ، والقلب
ممتلئ بالرضى عن الله عز وجل وشكره ، واللسان مشتغل
بذكره وحمده " ( 1 ) .
ولما كان كثير من الناس اليوم بعيدين كل البعد عن
هامش
( 1 ) من كلام ابن القيم رحمه الله في " الفصل الأول من الجنائز " من " زاد
المعاد " ( 1 / 197 ) وتمامه :
" ولما ضاق هذا المشهد ، والجمع بين الامرين على بعض العارفين ، يوم مات
ولده ، جعل يضحك ! فقيل له ، أتضحك في هذه الحالة ؟ ! فقال : ان الله
تعالى قضى بقضاء ، فأحببت أن أرضى بقضائه . فأشكل هذا على جماعة من
أهل العلم ، فقالوا كيف يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم ،
وهو أرضي الحلق عن الله ، ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك ! فسمعت
شيخ الاسلام ابن تيمية يقول : هدي نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدي
هذا العارف ، أعطى العبودية حقها ، فاتسع قلبه للرضي عن الله ورحمة الولد
والرقة عليه ، فحمد الله ورضي عنه في قضائه ، وبكى رحمة ورأفة ، فحملته
الرأفة على البكاء ، وعبوديته الله ، ومحبته الله الرضى والحمد . وهذا العارف
ضاق قلبه عن اجتماع الامرين ولم يتسع باطنه لشهودهما ، والقيام بهما ، فشغلته
عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة " .