ثم إني النظر السليم يحكم بصحة قول من ذهب إلى أن الحديث على عمومه ، لأنه إذا
كان بمنطوقه يمنع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ، مع العلم بأن العبادة في أي
مسجد أفضل منها في غير المسجد ، وقال ( ص ) : ( أحب البقاع إلى الله المساجد ) حتى
ولو كان ذلك المسجد هو المسجد الذي أسس على التقوى ألا وهو مسجد قباء الذي قال
فيه رسول الله ( ص ) : ( صلاة في مسجد قباء كعمرة ) ، إذا كان الامر كذلك فلان يمنع
الحديث من السفر إلى غيرها من المواطن أولى وأحرى ، لا سيما إذا كان المقصود إنما
هو مسجد بني على قبر نبي أو صالح ، من أجل الصلاة فيه والتعبد عنده . وقد علمت
لعن من فعل ذلك ، فهل يعقل أن يسمح الشارع الحكيم بالسفر إلى مثل ذلك ويمنع
من السفر إلى مسجد قباء ! ؟
والخلاصة : إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى
غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة ، هو الذي يجب المصير إليه ، فلا جرم اختاره
كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم ، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله
أمثال شيخي الاسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله تعالى ، فإن لهم البحوث والكثيرة
النافعة في هذه المسألة الهامة ، ومن هؤلاء الأفاضل الشيخ ولي الله الدهلوي ، ومن كلامه
في ذلك ما قال في ( الحجة البالغة ) ( 1 / 192 ) :
( كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها ، وفيه
من التحريف والفساد ما لا يخفى ، فسد صلى الله عليه وسلم الفساد ، لئلا يلحق غير
الشعائر بالشعائر ، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله ، والحق عندي أن القبر ، ومحل عبادة
ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي ) .
ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب
العلم ، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان ، وكذلك
السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية في ( الفتاوي )
( 2 / 186 ) .
12 - إيقاد السرج عندها .
والدليل على ذلك غدة أمور :
أحكام الجنائز — صفحة 231
مساهمون: محمد ناصر الدين الألباني
ص٢٣١