واختلف أهل العربية في وجه دخول من في قوله : حافين من حول العرش
والمعنى : حافين حول العرش .
وفي قوله : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك
فقال بعض نحويي البصرة : أدخلت من في هذين الموضعين توكيدا ، والله أعلم ،
كقولك : ما جاءني من أحد وقال غيره : قبل وحول وما أشبههما ظروف تدخل فيها من
وتخرج ، نحو : أتيتك قبل زيد ، ومن قبل زيد ، وطفنا حولك ومن حولك ، وليس ذلك من
نوع : ما جاءني من أحد ، لان موضع من في قولهم : ما جاءني من أحد رفع ، وهو اسم .
والصواب من القول في ذلك عندي أن من في هذه الأماكن ، أعني في قوله من
حول العرش ومن قبلك ، وما أشبه ذلك ، وإن كانت دخلت على الظروف فإنها بمعنى
التوكيد .
وقوله : يسبحون بحمد ربهم يقول : يصلون حول عرش الله شكرا له والعرب
تدخل الباء أحيانا في التسبيح ، وتحذفها أحيانا ، فتقول : سبح بحمد الله ، وسبح حمد الله ،
كما قال جل ثناؤه : سبح اسم ربك الأعلى ، وقال في موضع آخر : فسبح باسم ربك العظيم .
وقوله : وقضي بينهم بالحق يقول : وقضى الله بين النبيين الذين جئ بهم ،
والشهداء وأممها بالعدل ، فأسكن أهل الايمان بالله ، وبما جاءت به رسله الجنة . وأهل
الكفر به ، ومما جاءت به رسله النار . وقيل الحمد لله رب العالمين يقول : وختمت
خاتمة القضاء بينهم بالشكر للذي ابتدأ خلقهم الذي له الألوهية ، وملك جميع ما في
السماوات والأرض من الخلق من ملك وجن وإنس ، وغير ذلك من أصناف الخلق . وكان
قتادة يقول في ذلك ما :
23326 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ويسبحون بحمد
ربهم . . . الآية ، كلها قال : فتح أول الخلق بالحمد لله ، فقال : الحمد لله الذي خلق
السماوات والأرض ، وختم بالحمد فقال : وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب
العالمين .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 49
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٩