* ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون *
اله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل ) * .
يقول تعالى ذكره : وينجي الله من جهنم وعذابها ، الذين اتقوه بأداء فرائضه ،
واجتناب معاصيه في الدنيا ، بمفازتهم : يعني بفوزهم ، وهي مفعلة منه . وبنحو الذي قلنا
في تأويل ذلك قال أهل التأويل ، وإن خالفت ألفاظ بعضهم اللفظة التي قلناها في ذلك ذكر
من قال ذلك :
23271 حدثني محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم قال : بفضائلهم .
23272 حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم قال : بأعمالهم ، قال : والآخرون يحملون أوزارهم
يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون .
واختلفت القراء في ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة ، وبعض قراء مكة والبصرة :
بمفازتهم على التوحيد . وقرأته عامة قراء الكوفة : بمفازاتهم على الجماع .
والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان ، قد قرأ بكل واحدة
منهما علماء من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لاتفاق معنييهما والعرب توحد مثل
ذلك أحيانا وتجمع بمعنى واحد ، فيقول أحدهم : سمعت صوت القوم ، وسمعت
أصواتهم ، كما قال جل ثناؤه : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ، ولم يقل :
أصوات الحمير ، ولو جاء ذلك كذلك كان صوابا .
وقوله : لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون يقول تعالى ذكره : لا يمس المتقين من
أذى جهنم شئ ، وهو السوء الذي أخبر جل ثناؤه أنه لن يمسهم ، ولا هم يحزنون يقول :
ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا ، إذ صاروا إلى كرامة الله ونعيم الجنان .
وقوله : الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل يقول تعالى ذكره : الله الذي
له الألوهية من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له ، خالق كل شئ ، لا ما لا يقدر على
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 29
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٩