ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب
العالمين ) * .
ذكر أن سليمان لما أقبلت صاحبة سبأ تريده ، أمر الشياطين فبنوا له صرحا ، وهو
كهيئة السطح من قوارير ، وأجرى من تحته الماء ليختبر عقلها بذلك ، وفهمها على نحو
الذي كانت تفعل هي من توجيهها إليه الوصائف والوصفاء ليميز بين الذكور منهم والإناث
معاتبة بذلك كذلك .
20569 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل
العلم ، عن وهب بن منبه ، قال : أمر سليمان بالصرح ، وقد عملته له الشياطين من زجاج
كأنه الماء بياضا ، ثم أرسل الماء تحته ، ثم وضع له فيه سريره ، فجلس عليه ، وعكفت عليه
الطير والجن والانس ، ثم قال : ادخلي الصرح ليريها ملكا هو أعز من ملكها ، وسلطانا
هو أعظم من سلطانها فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لا تشك أنه ماء تخوضه ،
قيل لها : ادخلي إنه صرح ممرد من قوارير فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله
وعاتبها في عبادتها الشمس دون الله ، فقالت بقول الزنادقة ، فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما
قالت ، وسجد معه الناس وسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع فلما رفع
سليمان رأسه قال : ويحك ماذا قلت ؟ قال : وأنسيت ما قالت : ، فقالت : رب إني ظلمت
نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين وأسلمت ، فحسن إسلامها .
وقيل : إن سليمان إنما أمر ببناء الصرح على ما وصفه الله ، لان الجن خافت من
سليمان أن يتزوجها ، فأرادوا أن يزهدوه فيها ، فقالوا : إن رجلها رجل حمار ، وإن أمها
كانت من الجن ، فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجن من ذلك . ذكر من قال ذلك :
20570 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب
القرظي ، قال : قالت الجن لسليمان تزهده في بلقيس : إن رجلها رجل حمار ، وإن أمها
كانت من الجن فأمر سليمان بالصرح ، فعمل ، فسجن فيه دواب البحر : الحيتان ،
والضفادع فلما بصرت بالصرح قالت : ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلا الغرق
فحسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال : فإذا ( هي ) أحسن الناس ساقا وقدما . قال : فضن
سليمان بساقها عن الموسى ، قال : فاتخذت النورة بذلك السبب .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 205
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٠٥