أنفسهم بنعمة الله وإحسانه إليهم وكفرانهم أياديه عندهم ، وليقولن يا ويلنا إنا كان ظالمين
في عبادتنا الآلهة والأنداد ، وتركنا عبادة الله الذي خلقنا وأنعم علينا ووضعنا العبادة غير
موضعها . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال
حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) * .
يقول تعالى ذكره : ونضع الموازين العدل وهو القسط . وجعل القسط وهو
موحد من نعت الموازين ، وهو جمع لأنه في مذهب عدل ورضا ونظر . وقوله : ليوم
القيامة يقول : لأهل يوم القيامة ، ومن ورد على الله في ذلك اليوم من خلقه . وقد كان
بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك إلى في كأن معناه عنده : ونضع الموازين القسط في
يوم القيامة . وقوله : فلا تظلم نفس شيئا يقول : فلا يظلم الله نفسا ممن ورد عليه منهم
شيئا بأن يعاقبه بذنب لم يعمله أو يبخسه ثواب عمل عمله وطاعة أطاعه بها ولكن يجازي
المحسن بإحسانه ، ولا يعاقب مسيئا إلا بإساءته .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ،
عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة . . . إلى آخر الآية ،
وهو كقوله : والوزن يومئذ الحق يعني بالوزن : القسط بينهم بالحق في الأعمال
الحسنات والسيئات فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه ، يقول : أذهبت حسناته
سيئاته ، ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه وأمه هاوية ، يقول : أذهبت سيئاته
حسناته .
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا
الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : ونضع الموازين القسط ليوم
القيامة قال : إنما هو مثل ، كما يجوز الوزن كذلك يجوز الحق . قال الثوري : قال ليث
عن مجاهد : ونضع الموازين القسط قال : العدل . ]
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 44
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٤