ما بين أيدي هؤلاء الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة ، وما الذي يصيرون إليه من الثواب
والعقاب وما خلفهم يقول : ويعلم أمر ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا ، كما :
18369 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يعلم ما بين
أيديهم من أمر الساعة وما خلفهم من أمر الدنيا .
وقوله : ولا يحيطون به علما يقول تعالى ذكره : ولا يحيط خلقه به علما . ومعنى
الكلام : أنه محيط بعباده علما ، ولا يحيط عباده به علما . وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك :
أن الله يعلم ما بين أيدي ملائكته وما خلفهم ، وأن ملائكته لا يحيطون علما بما بين أيدي
أنفسم وما خلفهم ، وقال : إنما أعلم بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة ، أن الملائكة
كذلك لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها ، موبخهم بذلك ومقرعهم بأن من كان كذلك ،
فكيف يعبد ، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
القول في تأويل قوله تعالى : *
( وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ) * .
يقول تعالى ذكره : استأسرت وجوه الخلق ، واستسلمت للحي القيوم الذي
لا يموت ، القيوم على خلقه بتدبيره إياهم ، وتصريفهم لما شاءوا . وأصل العنو الذل ، يقال
منه : عنا وجهه لربه يعنو عنوا ، يعني خضع له وذل ، وكذلك قيل للأسير : عان لذلة الأسر .
فأما قولهم : أخذت الشئ عنوة ، فإنه يكون وإن كان معناه يؤول إلى هذا أن يكون أخذه
غلبة ، ويكون أخذه عن تسليم وطاعة ، كما قال الشاعر :
هل أنت مطيعي أيها القلب عنوة * ولم تلح نفس لم تلم في اختيالها
وقال آخر :
فما أخذوها عنوة عن مودة * ولكن بحد المشرفي استقالها
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 267
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٦٧