تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه يقول : آيات ربه أرى تمثال الملك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : كان بعض أهل العلم فيما بلغني يقول : البرهان الذي رأى يوسف فصرف عنه السوء والفحشاء : يعقوب عاضا على أصبعه ، فلما رآه انكشف هاربا . ويقول بعضهم : إنما هو خيال إطفير سيده حين دنا من الباب ، وذلك أنه لما هرب منها واتبعه ألفياه لدى الباب . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله جل ثناؤه أخبر عن هم يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه ، لولا أن رأى يوسف برهان ربه ، وذلك آية من آيات الله ، زجرته عن ركوب ما هم به يوسف من الفاحشة . وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب ، وجائز أن تكون صورة الملك ، وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا ، ولا حجة للعذر قاطعة بأي ذلك من أي . والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى ، والايمان به ، وترك ما عدا ذلك إلى عالمه . وقوله : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء يقول تعالى ذكره : كما رأينا يوسف برهاننا على الزجر عما هم بمن الفاحشة ، كذلك نسبب له في كل ما عرض له من هم يهم به فيما لا يرضاه ما يزجره ويدفعه عنه كي نصرف عنه ركوب ما حرمنا عليه وإتيان الزنا ، لنطهره من دنس ذلك . وقوله : إنه من عبادنا المخلصين اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة : إنه من عبادنا المخلصين بفتح اللام من المخلصين ، بتأويل : إن يوسف من عبادنا الذين أخلصناهم لأنفسنا واخترناهم لنبوتنا ورسالتنا . وقرأ ذلك بعض قراء البصرة : إنه من عبادنا المخلصين بكسر اللام ، بمعنى : أن يوسف من عبادنا الذين أخلصوا توحيدنا وعبادتنا ، فلم يشركوا بنا شيئا ، ولم يعبدوا شيئا غيرنا . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بهما جماعة كثيرة من من القراء ، وهما متفقتا المعنى وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره ، فهو مخلص لله التوحيد والعبادة ، ومن أخلص توحيد الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئا ، فهو ممن أخلصه الله ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو الصواب مصيب . القول في تأويل قوله تعالى :