الأبد لا يسلكوه ولا يتخذوه لأنفسهم طريقا ، جهلا منهم وحيرة . وإن يروا سبيل الغي
يقول : وإن يروا طريق الهلاك الذي إن سلكوه ضلوا وهلكوا . وقد بينا معنى الغي فيما مضى
قبل بما أغنى عن إعادته . يتخذوه سبيلا يقول : يسلكوه ويجعلوه لأنفسهم طريقا
لصرف الله إياهم عن آياته وطبعه على قلوبهم ، فهم لا يفلحون ولا ينجحون . ذلك بأنهم
كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين يقول تعالى ذكره : صرفناهم عن آياتنا أن يعقلوها
ويفهموها ، فيعتبروا بها ويذكروا فينيبوا عقوبة منا لهم على تكذيبهم بآياتنا ، وكانوا عنها
غافلين يقول : وكانوا عن آياتنا وأدلتنا الشاهدة على حقية ما أمرناهم به ونهيناهم عنه ،
غافلين لا يتفكرون فيها ، لاهين عنها لا يعتبرون بها ، فحق عليهم حينئذ قول ربنا ، فعطبوا .
واختلف القراء في قراءة قوله : الرشد فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض المكيين
وبعض البصريين : الرشد بضم الراء وتسكين الشين . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة
وبعض المكيين : الرشد بفتح الراء والشين .
ثم اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك إذا ضمت راؤه وسكنت شينه ،
وفيه إذا فتحتا جميعا . فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : معناه إذا ضمت راؤه
وسكنت شينه : الصلاح ، كما قال الله : فإن آنستم منهم رشدا بمعنى : صلاحا
وكذلك كان يقرؤه هو ومعناه إذا فتحت راؤه وشينه : الرشد في الدين ، كما قال جل
ثناؤه : تعلمني مما علمت رشدا بمعنى الاستقامة والصواب في الدين . وكان
الكسائي يقول : هما لغتان بمعنى واحد ، مثل : السقم والسقم ، والحزن والحزن ، وكذلك
الرشد والرشد .
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضة القراءة بهما في
قراءة الأمصار متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب بها . القول في تأويل
قوله تعالى :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 82
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٨٢