تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
صوتك ، وبذلت لي كلامك ، وآتيتني حكمتك ، فإن أعد نعماك لا أحصيها ، وإن أردت شكرك لا أستطيعها . دعوتك رب على فرعون بالآيات العظام ، والعقوبة الشديدة ، فضربت بعصاي التي في يدي البحر ، فانفلق لي ولمن معي ، ودعوتك حين جزت البحر ، فأغرقت عدوك وعدوي ، وسألتك الماء لي ولامتي ، فضربت بعصاي التي في يدي الحجر ، فمنه أرويتني وأمتي ، وسألتك لامتي طعاما لم يأكله أحد كان قبلهم ، فأمرتني أن أدعوك من قبل المشرق ، ومن قبل المغرب . فناديتك من شرقي أمتي ، فأعطيتهم المن من مشرقي لنفسي ، وآتيتهم السلوى من غربيهم من قبل البحر ، واشتكيت الحر فناديتك ، فظللت عليهم بالغمام ، فما أطيق نعماك علي أن أعدها ولا أحصيها ، وإن أردت شكرها لا أستطيعها . فجئتك اليوم راغبا طالبا سائلا متضرعا ، لتعطيني ما منعت غيري ، أطلب إليك وأسألك يا ذا العظمة والعزة والسلطان أن تريني أنظر إليك ، فإني قد أحببت أن أرى وجهك الذي لم يره شئ من خلقك . قال له رب العزة : فلا ترى يا ابن عمران ما تقول ؟ تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق ، لا يراني أحد فيحيا ، أليس في السماوات معمري ، فإنهن قد ضعفن أن يحملن عظمتي ، وليس في الأرض معمري ، فإنها قد ضعفت أن تسع بجندي ، فلست في مكان واحد فأتجلى لعين تنظر إلي . قال موسى : يا رب أن أراك وأموت ، أحب إلي من أن لا أراك ولا أحيى ، قال له رب العزة : يا ابن عمران تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق ، لا يراني أحد فيحيا . قال : رب تمم علي نعماك ، وتمم علي فضلك ، وتمم علي إحسانك هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأقبض ، ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي . قال له : يا ابن عمران لن يراني أحد فيحيا . قال : موسى رب تمم علي نعماك وفضلك ، وتمم علي إحسانك هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأموت على أثر ذلك أحب إلي من الحياة ، فقال الرحمن المترحم على خلقه : قد طلبت يا موسى ، وأعطيتك سؤلك إن استطعت أن تنظر إلي ، فاذهب فاتخذ لوحين ، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل ، فإن ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك يا ابن عمران ، ثم انظر فإني أهبط إليك وجنودي من قليل وكثير . ففعل موسى كما أمره ربه ، نحت لوحين ثم صعد بهما إلى الجبل ، فجلس على الحجر : فلما استوى عليه ، أمر الله جنوده الذين في السماء الدنيا ، فقال : ضعي أكنافك حول الجبل ، فسمعت ما قال الرب ففعلت أمره ، ثم