ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله : تماما على الذي أحسن فقال بعضهم :
معناه : تماما على المحسنين . ذكر من قال ذلك :
11029 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن
أبي نجيح ، عن مجاهد : تماما على الذي أحسن قال : على المؤمنين .
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن نجيح ، عن
مجاهد : تماما على الذي أحسن المؤمنين والمحسنين .
وكأن مجاهدا وجه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جل ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه
الكتاب فضيلة على ما آتي المحسنين من عباده .
فإن قال قائل : فكيف جاز أن يقال : على الذي أحسن فيوحد الذي ، والتأويل
على الذين أحسنوا ؟ قيل : إن العرب تفعل ذلك خاصة في الذي وفي الألف واللام إذا
أرادت به الكل والجميع ، كما قال جل ثناؤه : والعصر إن الانسان لفي خسر وكما
قالوا : أكثر الذي هم فيه في أيدي الناس . وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ
ذلك : تماما على الذين أحسنوا وذلك من قراءته كذلك يؤيد قول مجاهد . وإذا كان
المعنى كذلك ، كان قوله : أحسن فعلا ماضيا ، فيكون نصبه لذلك . وقد يجوز أن يكون
أحسن في موضع خفض ، غير أنه نصب ، إذ كان أفعل ، وأفعل لا يجري في كلامها .
فإن قيل : فبأي شئ خفض ؟ قيل : ردا على الذي إذ لم يظهر له ما يرفعه . فيكون تأويل
الكلام حينئذ : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي هو أحسن ، ثم حذف هو ، وجاور
أحسن الذي ، فعرف بتعريفه ، إذ كان كالمعرفة من أجل أن الألف واللام لا يدخلانه ،
والذي مثله ، كما تقول العرب : مررت بالذي خير منك وشر منك ، وكما قال الراجز :
إن الزبيري الذي مثل الحلم * مسى بأسلابكم أهل العلم
فأتبع مثل الذي في الاعراب . ومن قال ذلك لم يقل : مررت بالذي عالم ، لان
عالما نكرة والذي معرفة ، ولا تتبع نكرة معرفة .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 119
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١١٩