بلزومه ودينه الذي شرعه لنا فبينه ، هو الهدى والاستقامة التي لا شك فيها ، لا عبادة
الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع ، فلا نترك الحق ونتبع الباطل . وأمرنا لنسلم لرب
العالمين يقول : وأمرنا ربنا ورب كل شئ ، تعالى وجهه ، لنسلم له : لنخضع له بالذلة
والطاعة والعبودية ، فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة . وقد بينا معنى
الاسلام بشواهده فيما مضى من كتابنا بما أغنى عن إعادته ، وقيل : وأمرنا لنسلم
بمعنى : وأمرنا كي نسلم ، وأن نسلم لرب العالمين ، لان العرب تضع كي واللام التي
بمعنى كي مكان أو أن مكانها . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون ) * .
يقول تعالى ذكره : وأمرنا أن أقيموا الصلاة . وإنما قيل : وأن أقيموا الصلاة
فعطف ب أن على اللام من لنسلم لان قوله : لنسلم ، معناه : أن نسلم ، فرد قوله :
وأن أقيموا على معنى : لنسلم ، إذ كانت اللام التي في قوله : لنسلم ، لاما
لا تصحب إلا المستقبل من الأفعال ، وكانت أن من الحروف التي تدل على الاستقبال
دلالة اللام التي في لنسلم ، فعطف بها عليها لاتفاق معنييهما فيما ذكرت ف أن في
موضع نصب بالرد على اللام . وكان بعض نحويي البصرة يقول : إما أن يكون ذلك : أمرنا
لنسلم لرب العالمين ، وأن أقيموا الصلاة ، يقول : أمرنا كي نسلم ، كما قال : وأمرت أن
أكون من المؤمنين : أي إنما أمرت بذلك ، ثم قال : وأن أقيموا الصلاة واتقوه : أي
أمرنا أن أقيموا الصلاة أو يكون أوصل الفعل باللام ، والمعنى : أمرت أن أكون ، كما
أوصل الفعل باللام في قوله : هم لربهم يرهبون . فتأويل الكلام : وأمرنا بإقامة
الصلاة ، وذلك أداؤها بحدودها التي فرضت علينا . واتقوه يقول : واتقوا رب العالمين
الذي أمرنا أن نسلم له ، فخافوه واحذروا سخطه بأداء الصلاة المفروضة عليكم والاذعان له
بالطاعة وإخلاص العبادة له . وهو الذي إليه تحشرون يقول : وربكم رب العالمين هو
الذي إليه تحشرون فتجمعون يوم القيامة ، فيجازي كل عامل منكم بعمله ، وتوفى كل نفس
ما كسبت . القول في تأويل قوله تعالى :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 310
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣١٠