أنه تعالى ذكره أخبر عن الأمم التي كذبت رسلها أنه أخذهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا ، ثم
قال : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولم يخبر عما كان منهم من الفعل عند أخذه إياهم
بالبأساء والضراء .
ومعنى الكلام : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم
يتضرعون فلم يتضرعوا ، فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا . ومعنى : فلولا في هذا
الموضع : فهلا ، والعرب إذ أولت لولا اسما مرفوعا جعلت ما بعدها خبرا وتلقتها
بالأمر ، فقالت ، فلولا أخوك لزرتك ، ولولا أبوك لضربتك ، وإذا أولتها فعلا ، أو لم تولها
اسما ، جعلوها استفهاما ، فقالوا : لولا جئتنا فنكرمك ، ولولا زرت أخاك فنزورك ، بمعنى
هلا . كما قال تعالى : لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وكذلك تفعل ب لوما
مثل فعلها ب لولا .
فتأويل الكلام إذن : فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلها الذين لم يتضرعوا
عند أخذناهم بالبأساء والضراء ، تضرعوا فاستكانوا لربهم وخضعوا لطاعته ، فيصرف ربهم
عنهم بأسه وهو عذابه وقد بينا معنى البأس في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في
هذا الموضع . ولكن قست قلوبهم يقول : ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلهم ، وأصروا
على ذلك واستكبروا عن أمر ربهم ، استهانة بعقاب الله واستخفافا بعذابه وقساوة قلب
منهم . وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون يقول : وحسن لهم الشيطان ما كانوا يعملون
من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم القول في تأويل قوله تعالى :
* ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما
أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) * .
يعني تعالى ذكره بقوله : فلما نسوا ما ذكروا به فلما تركوا العمل بما أمرناهم به
على ألسن رسلنا . كالذي :
10301 - حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ،
عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : فلما نسوا ما ذكروا به يعني : تركوا
ما ذكروا به .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 253
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٥٣