تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
النازل بكم من آلهة ووثن وصنم ، بل تدعون هناك ربكم الذي خلقكم وبه تستغيثون وإليه تفزعون دون كل شئ غيره . فيكشف ما تدعون إليه يقول : فيفرج عنكم عند استغاثتكم به وتضرعكم إليه عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم ، لأنه القادر على كل شئ ومالك كل شئ دون ما تدعونه إلها من الأوثان والأصنام . وتنسون ما تشركون يقول : وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه ، فتجعلونه له ندا من وثن وصنم ، وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) * . يقول تعالى ذكره متوعدا لهؤلاء العادلين به الأصنام ، ومحذرهم أن يسلك بهم إن هم تمادوا في ضلالهم سبيل من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم في تعجيل الله عقوبته لهم في الدنيا ، ومخبرا نبيه عن سنته في الذين خلوا قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل : ولقد أرسلنا يا محمد إلى أمم يعني : إلى جماعات وقرون ، من قبلك فأخذناهم بالبأساء يقول : فأمرناهم ونهيناهم ، فكذبوا رسلنا وخالفوا أمرنا ونهينا ، فامتحناهم بالابتلاء بالبأساء ، وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة والضراء وهي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام . وقد بينا ذلك بشواهده ووجوه إعرابه في سورة البقرة بما أغني عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : لعلهم يتضرعون يقول : فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إلي ، ويخلصوا لي العبادة ، ويفردوا رغبتهم إلي دون غيري بالتذلل منهم لي بالطاعة والاستكانة منهم إلي بالإنابة . وفي الكلام محذوف قد استغني بما دل عليه الظاهر عن إظهاره من قوله : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم . وإنما كان سبب أخذه إياهم تكذيبهم الرسل وخلافهم أمره ، لا إرسال الرسل إليهم . وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن معنى الكلام : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فكذبوهم ، فأخذناهم بالبأساء . والتضرع : هو التفعل من الضراعة ، وهي الذلة والاستكانة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) * . وهذا أيضا من الكلام الذي فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عن ذكر ما ترك ، وذلك