النازل بكم من آلهة ووثن وصنم ، بل تدعون هناك ربكم الذي خلقكم وبه تستغيثون وإليه
تفزعون دون كل شئ غيره . فيكشف ما تدعون إليه يقول : فيفرج عنكم عند استغاثتكم
به وتضرعكم إليه عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم ، لأنه القادر على كل
شئ ومالك كل شئ دون ما تدعونه إلها من الأوثان والأصنام . وتنسون ما تشركون
يقول : وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها ما تشركونه مع الله في
عبادتكم إياه ، فتجعلونه له ندا من وثن وصنم ، وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه
إلها . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) * .
يقول تعالى ذكره متوعدا لهؤلاء العادلين به الأصنام ، ومحذرهم أن يسلك بهم إن هم
تمادوا في ضلالهم سبيل من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم في تعجيل الله عقوبته لهم في
الدنيا ، ومخبرا نبيه عن سنته في الذين خلوا قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب
الرسل : ولقد أرسلنا يا محمد إلى أمم يعني : إلى جماعات وقرون ، من قبلك
فأخذناهم بالبأساء يقول : فأمرناهم ونهيناهم ، فكذبوا رسلنا وخالفوا أمرنا ونهينا ،
فامتحناهم بالابتلاء بالبأساء ، وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة والضراء وهي
الأسقام والعلل العارضة في الأجسام . وقد بينا ذلك بشواهده ووجوه إعرابه في سورة البقرة
بما أغني عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : لعلهم يتضرعون يقول : فعلنا ذلك بهم
ليتضرعوا إلي ، ويخلصوا لي العبادة ، ويفردوا رغبتهم إلي دون غيري بالتذلل منهم لي
بالطاعة والاستكانة منهم إلي بالإنابة . وفي الكلام محذوف قد استغني بما دل عليه الظاهر
عن إظهاره من قوله : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم . وإنما كان سبب أخذه
إياهم تكذيبهم الرسل وخلافهم أمره ، لا إرسال الرسل إليهم . وإذ كان ذلك كذلك ،
فمعلوم أن معنى الكلام : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فكذبوهم ، فأخذناهم
بالبأساء . والتضرع : هو التفعل من الضراعة ، وهي الذلة والاستكانة . القول في تأويل قوله
تعالى :
* ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما
كانوا يعملون ) * .
وهذا أيضا من الكلام الذي فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عن ذكر ما ترك ، وذلك
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 252
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٥٢