تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
انتطحتا ؟ قلت : لا ، قال : لكن الله يدري وسيقضي بينهما . قال أبو ذر : لقد تركنا رسول الله ( ص ) ، وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى أخبر أن كل دابة وطائر محشور إليه ، وجائز أن يكون معنيا بذلك حشر القيامة ، وجائز أن يكون معنيا به حشر الموت ، وجائز أن يكون معنيا به الحشران جميعا . ولا دلالة في ظاهر التنزيل ولا في خبر عن النبي ( ص ) أي ذلك المراد بقوله : ثم إلى ربهم يحشرون إذ كان الحشر في كلام العرب : الجمع ، ومن ذلك قول الله تعالى : والطير محشورة كل له أواب يعني مجموعة : فإذ كان الجمع هو الحشر وكان الله تعالى جامعا خلقه إليه يوم القيامة وجامعهم بالموت ، كان أصوب القول في ذلك أن يعم بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها ، وأن يقال : كل دابة وكل طائر محشور إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة ، إذ كان الله تعالى قد عم بقوله : ثم إلى ربهم يحشرون ولم يخصص به حشرا دون حشر . فإن قال قائل : فما وجه قوله : ولا طائر يطير بجناحيه وهل يطير الطائر إلا بجناحيه ؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة ؟ قيل : قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب بلسان قوم وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم ، فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا : كلمت فلانا بفمي ، ومشيت إليه برجلي ، وضربته بيدي خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم ويستعملونه في خطابهم ، ومن ذلك قوله تعالى : إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) * . يقول تعالى ذكره : والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته ، صم عن سماع الحق بكم عن القيل به في الظلمات يعني : في ظلمة الكفر حائر فيها ، يقول : هو مرتطم في
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 249 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار