تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان . وقد بينا فيما مضى معنى القلائد في غير هذا الموضع . وأما قوله : ولا أمين البيت الحرام فإنه محتمل ظاهره : ولا تحلوا حرمة آمين البيت الحرام من أهل الشرك والإسلام ، لعموم جميع من أم البيت . وإذا احتمل ذلك ، فكان أهل الشرك داخلين في جملتهم ، فلا شك أن قوله : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ناسخ له ، لأنه غير جائز اجتماع الامر بقتلهم وترك قتلهم وترك قتلهم في حال واحدة ووقت واحد . وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلهم ، أموا البيت الحرام أو البيت المقدس في أشهر الحرم وغيرها ، ما يعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخ ، ومحتمل أيضا : ولا آمين البيت الحرام من أهل الشرك ، وأكثر أهل التأويل على ذلك . وإن كان عنى بذلك المشركون من أهل الحرب ، فهو أيضا لا شك منسوخ . وإذ كان ذلك كذلك وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر ، وكان ما كان مستفيضا فيهم ظاهرا حجة ، فالواجب وإن احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا ، التسليم لما استفاض بصحته نقلهم . القول في تأويل قوله تعالى : يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . يعني بقوله : يبتغون : يطلبون ويلتمسون . والفضل : الأرباح في التجارة والرضوان : رضا الله عنهم ، فلا يحل بهم من العقوبة في الدنيا ما أحل بغيرهم من الأمم في عاجل دنياهم بحجهم بيته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة في قوله : يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا قال : هم المشركون يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبدة بن سليمان ، قال : قرأت على ابن أبي عروبة ، فقال : هكذا سمعته من قتادة في قوله : يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا والفضل والرضوان : اللذان يبتغون أن يصلح معايشهم في الدنيا ، وأن لا يعجل لهم العقوبة فيها .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 83 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار