تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
القول في تأويل قوله تعالى : * ( وترزق من تشاء بغير حساب ) * . يعني بذلك جل ثناؤه : أنه يعطي من يشاء من خلقه ، فيجود عليه بغير محاسبة منه لمن أعطاه ، لأنه لا يخاف دخول انتقاص في خزائنه ، ولا الفناء على ما بيده . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : * ( وترزق من تشاء بغير حساب ) * قال : يخرج الرزق من عنده بغير حساب ، لا يخاف أن ينقص ما عنده تبارك وتعالى . فتأويل الآية إذا : اللهم يا مالك الملك ، تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، بيدك الخير إنك على كل شئ قدير ، دون من ادعى الملحدون أنه لهم إله ورب وعبدوه دونك ، واتخذوه شريكا معك ، أو أنه لك ولد وبيدك القدرة التي تفعل هذه الأشياء ، وتقدر بها على كل شئ ، تولج الليل في النهار ، وتولج النهار في الليل ، فتنقص من هذا وتزيد في هذا ، وتنقص من هذا وتزيد في هذا ، وتخرج من ميت حيا ، ومن حي ميتا ، وترزق من تشاء بغير حساب من خلقك ، لا يقدر على ذلك أحد سواك ، ولا يستطيعه غيرك كما : حدثني ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير : * ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) * أي بتلك القدرة ، يعني بالقدرة التي تؤتي الملك بها من تشاء وتنزعه ممن تشاء ، وترزق من تشاء بغير حساب ، لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلا أنت . أي فإن كنت سلطت عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله ، من إحياء الموتى ، وإبراء الأسقام ، والخلق للطير من الطين ، والخبر عن الغيوب لتجعله آية للناس ، وتصديقا له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه ، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه ، كتمليك الملوك ، وأمر النبوة ووضعها حيث شئت ، وإيلاج الليل في النهار ، والنهار في الليل ، وإخراج الحي من الميت ، والميت من الحي ، ورزق من شئت من بر أو فاجر بغير حساب ، فكل ذلك لم أسلط عيسى عليه ، ولم أملكه إياه ، فلم يكن لهم في ذلك عبرة وبينة ، إذ لو كان إلها لكان ذلك كله إليه وهو في علمهم يهرب من الملوك ، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 308 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار