وقال آخرون : بل القنوت في هذا الموضع : الدعاء . قالوا : تأويل الآية : وقوموا لله
راغبين في صلاتكم . ذكر من قال ذلك :
4308 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، وثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن
أبي عدي وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر جميعا ، عن عوف ، عن أبي رجاء ، قال : صليت
مع ابن عباس الغداة في مسجد البصرة ، فقنت بنا قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى
التي قال الله : وقوموا لله قانتين .
وقال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله : وقوموا لله قانتين
قول من قال : تأويله مطيعين ، وذلك أن أصل القنوت : الطاعة ، وقد تكون الطاعة لله في
الصلاة بالسكوت عما نهى الله من الكلام فيها ، ولذلك وجه من وجه تأويل القنوت في هذا
الموضع إلى السكوت في الصلاة أحد المعاني التي فرضها الله على عباده فيها . إلا عن قراءة
قرآن ، أو ذكر له بما هو أهله . ومما يدل على أنهم قالوا ذلك كما وصفنا ، قول النخعي
ومجاهد ، الذي :
4309 - حدثنا به أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، عن
سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ومجاهد قالا : كانوا يتكلمون في الصلاة ، يأمر أحدهم
أخاه بالحاجة فنزلت وقوموا لله قانتين قال : فقطعوا الكلام ، والقنوت : السكوت ،
والقنوت : الطاعة .
فجعل إبراهيم ومجاهد القنوت سكوتا في طاعة الله على ما قلنا في ذلك من التأويل ،
وقد تكون الطاعة لله فيها بالخشوع وخفض الجناح ، وإطالة القيام ، وبالدعاء ، لان كلا غير
خارج من أحد معنيين ، من أن يكون مما أمر به المصلي ، أو مما ندب إليه ، والعبد بكل
ذلك لله مطيع ، وهو لربه فيه قانت ، والقنوت : أصله الطاعة لله ، ثم يستعمل في كل ما أطاع
الله به العبد .
فتأويل الآية إذا : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، وقوموا لله فيها مطيعين
بترك بعضكم فيها كلام بعض ، وغير ذلك من معاني الكلام ، سوى قراءة القرآن فيها ، أو
ذكر الله بالذي هو أهله أو دعائه فيها ، غير عاصين لله فيها بتضييع حدودها ، والتفريط في
الواجب لله عليكم فيها ، وفي غيرها من فرائض الله . القول في تأويل قوله تعالى :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 774
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٧٧٤