وأما قوله : وما أنت بتابع قبلتهم يقول : وما لك من سبيل يا محمد إلى اتباع
قبلتهم ، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها ، وأن النصارى تستقبل المشرق ،
فأنى يكون لك السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها . يقول : فألزم قبلتك التي
أمرت بالتوجه إليها ، ودع عنك ما تقوله اليهود والنصارى ، وتدعوك إليه من قبلتهم
واستقبالها .
وأما قوله : وما بعضهم بتابع قبلة بعض فإنه يعني بقوله : وما اليهود بتابعة قبلة
النصارى ، ولا النصارى بتابعة قبلة اليهود فمتوجهة نحوها . كما :
1866 - حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن
السدي : وما بعضهم بتابع قبلة بعض يقول : ما اليهود بتابعي قبلة النصارى ، ولا
النصارى بتابعي قبلة اليهود . قال : وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي ( ص ) لما حول
إلى الكعبة ، قالت اليهود : إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده ، ولو ثبت على قبلتنا لكنا
نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر فأنزل الله عز وجل فيهم : وإن الذين أوتوا الكتاب
ليعلمون أنه الحق من ربهم إلى قوله : ليكتمون الحق وهم يعلمون .
1867 - حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : وما
بعضهم بتابع قبلة بعض مثل ذلك .
وإنما يعني جل ثناؤه بذلك أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة مع إقامة
كل حزب منهم على ملتهم ، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : يا محمد لا تشعر نفسك رضا
هؤلاء اليهود والنصارى ، فإنه أمر لا سبيل إليه ، لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لك إلى
إرضاء كل حزب منهم ، من أجل أنك إن اتبعت قبلة اليهود أسخطت النصارى ، وإن اتبعت
قبلة النصارى أسخطت اليهود ، فدع ما لا سبيل إليه ، وادعهم إلى ما لهم السبيل إليه من
الاجتماع على ملتك الحنيفية المسلمة ، وقبلتك قبلة إبراهيم والأنبياء من بعده .
القول في تأويل قوله تعالى : ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا
لمن الظالمين .
يعني بقوله جل ثناؤه : ولئن اتبعت أهواءهم : ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 35
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٥