يكن له وجه مفهوم . . فالصواب من القراءة في العمرة الرفع على أنه من أعمال البر لله ،
فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها ، وهو قوله : لله .
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا ، قراءة من قرأ بنصب العمرة على العطف
بها على الحج ، بمعنى الامر بإتمامهما له . ولا معنى لاعتلال من اعتل في رفعها بأن العمرة
زيارة البيت ، فإن المعتمر متى بلغه ، فلا عمل بقي عليه يؤمر بإتمامه ، وذلك أنه إذا بلغ
البيت فقد انقضت زيارته وبقي عليه تمام العمل الذي أمره الله به في اعتماره ، وزيارته
البيت وذلك هو الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، وتجنب ما أمر الله بتجنبه
إلى إتمامه ذلك ، وذلك عمل وإن كان مما لزمه بإيجاب الزيارة على نفسه غير الزيارة . هذا
مع إجماع الحجة على قراءة العمرة بالنصب ، ومخالفة جميع قراء الأمصار قراءة من قرأ
ذلك رفعا ، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على خطأ من قرأ ذلك رفعا .
وأما أولى القولين اللذين ذكرنا بالصواب في تأويل قوله : والعمرة لله على قراءة
من قرأ ذلك نصبا فقول عبد الله بن مسعود ، ومن قال بقوله من أن معنى ذلك : وأتموا الحج
والعمرة لله إلى البيت بعد إيجابكم إياهما لا أن ذلك أمر من الله عز وجل بابتداء عملهما
والدخول فيهما وأداء عملهما بتمامه بهذه الآية ، وذلك أن الآية محتملة للمعنيين اللذين
وصفنا من أن يكون أمرا من الله عز وجل بإقامتهما ابتداء وإيجابا منه على العباد فرضهما ،
وأن يكون أمرا منه بإتمامهما بعد الدخول فيهما ، وبعد إيجاب موجبهما على نفسه ، فإذا
كانت الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا ، فلا حجة فيها لاحد الفريقين على الآخر ، إلا
وللآخر عليه فيها مثلها . وإذا كان كذلك ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبر عن الحجة
للعذر قاطعا ، وكانت الأمة في وجوبها متنازعة ، لم يكن لقول قائل هي فرض بغير برهان
دال على صحة قوله معنى ، إذ كانت الفروض لا تلزم العباد إلا بدلالة على لزومها إياهم
واضحة .
فإن ظن ظان أنها واجبة وجوب الحج ، وأن تأويل من تأول قوله : وأتموا الحج
والعمرة لله بمعنى : أقيموا حدودهما وفروضهما أولى من تأويلنا بما :
2627 - حدثني به حاتم بن بكير الضبي ، قال : ثنا أشهل بن حاتم الأرطبائي ، قال :
ثنا ابن عون ، عن محمد بن جحادة ، عن رجل ، عن زميل له ، عن أبيه ، وكان أبوه يكنى أبا
المنتفق ، قال : أتيت النبي ( ص ) بعرفة ، فدنوت منه ، حتى اختلفت عنق راحلتي وعنق
راحلته ، فقلت : يا رسول الله أنبئني بعمل ينجيني من عذاب الله ويدخلني جنته قال : اعبد
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 288
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٨٨