تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
يزيد في وصيته لهم ، ويبلغ بها ما رخص الله فيه من الثلث ، فذلك أيضا هو من الاصلاح بينهم بالمعروف . وإنما اخترنا هذا القول لان الله تعالى ذكره قال : فمن خاف من موص جنفا أو إثما يعني بذلك : فمن خاف من موص أن يجنف أو يأثم . فخوف الجنف والاثم من الموصي إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والاثم ، فأما بعد وجوده منه فلا وجه للخوف منه بأن يجنف أو يأثم ، بل تلك حال من قد جنف أو أثم ، ولو كان ذلك معناه قيل : فمن تبين من موص جنفا أو إثما ، أو أيقن أو علم ، ولم يقل فمن خاف منه جنفا . فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال : فما وجه الاصلاح حينئذ والاصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشئ ؟ قيل : إن ذلك وإن كان من معاني الاصلاح ، فمن الاصلاح الاصلاح بين الفريقين فيما كان مخوفا حدوث الاختلاف بينهم فيه بما يؤمن معه حدوث الاختلاف لان الاصلاح إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين ، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين قبل وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه . فإن قال قائل : فكيف قيل : فأصلح بينهم ، ولم يجر للورثة ولا للمختلفين أو المخوف اختلافهم ذكر ؟ قيل : بل قد جرى ذكر الله الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم ، وهم والدا الموصي وأقربوه والذين أمروا بالوصية في قوله : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ثم قال تعالى ذكره : " فمن خاف من موص " لمن أمرته بالوصية له جنفا أو إثما فأصلح بينهم وبين من أمرته بالوصية له ، فلا إثم عليه والاصلاح بينه وبينهم هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي . وقد قرئ قوله : فمن خاف من موص بالتخفيف في الصاد والتسكين في الواو وبتحريك الواو وتشديد الصاد ، فمن قرأ ذلك بتخفيف الصاد وتسكين الواو فإنما قرأه بلغة من قال : أوصيت فلانا بكذا . ومن قرأ بتحريك الواو وتشديد الصاد قرأه بلغة من يقول : وصيت فلانا بكذا ، وهما لغتان للعرب مشهورتان وصيتك وأوصيتك . وأما الجنف فهو الجور والعدول عن الحق في كلام العرب ، ومنه قول الشاعر : هم المولى وإن جنفوا علينا * وإنا من لقائهم لزور