تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
أسماء أفعال ، فتكون البأساء اسما للبؤس ، والضراء اسما للضر . وأما الصابرين فنصب ، وهو من نعت من على وجه المدح ، لان من شأن العرب إذا تطاولت صفة الواحد الاعتراض بالمدح والذم بالنصب أحيانا وبالرفع أحيانا ، كما قال الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وذا الرأي حين تغم الأمور * بذات الصليل وذات اللجم فنصب ليث الكتيبة وذا الرأي على المدح ، والاسم قبلهما مخفوض لأنه من صفة واحد . ومنه قول الآخر : فليت التي فيها النجوم تواضعت * على كل غث منهم وسمين غيوث الورى في كل محل وأزمة * أسود الشرى يحمين كل عرين وقد زعم بعضهم أن قوله : والصابرين في البأساء نصب عطفا على السائلين ، كأن معنى الكلام كان عنده : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين والصابرين في البأساء والضراء . وظاهر كتاب الله يدل على خطأ هذا القول ، وذلك أن الصابرين في البأساء والضراء هم أهل الزمانة في الأبدان وأهل الاقتار في الأموال ، وقد مضى وصف القوم بإيتاء من كان ذلك صفته المال في قوله : والمساكين وابن السبيل والسائلين وأهل الفاقة والفقر هم أهل البأساء والضراء ، لان من لم يكن من أهل الضراء ذا بأساء لم يكن ممن له قبول الصدقة ، وإنما له قبولها إذا كان جامعا إلى ضرائه بأساء ، وإذا جمع إليها بأساء كان من أهل المسكنة الذين قد دخلوا في جملة المساكين الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله : والصابرين في البأساء . وإذا كان كذلك ثم نصب الصابرين في البأساء بقوله : وآتى المال على حبه كان الكلام تكريرا بغير فائدة معنى ، كأنه قيل : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ، والله يتعالى عن أن يكون
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 137 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار