وأما قوله : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك فإنهما خصا بذلك بعض الذرية لان الله
تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله ( ص ) قبل مسألته هذه أن من ذريته من لا ينال عهده
لظلمه وفجوره ، فخصا بالدعوة بعض ذريتهما . وقد قيل إنهما عنيا بذلك العرب . ذكر من
قال ذلك :
1699 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن
السدي : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك يعنيان العرب . وهذا قول يدل ظاهر الكتاب على
خلافه لان ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته
والمستجيبين لامره ، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب ، والمستجيب لأمر الله
والخاضع له بالطاعة من الفريقين فلا وجه لقول من قال : عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا
من ولده بأعيانهم دون غيرهم إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد . وأما الأمة في هذا
الموضع ، فإنه يعني بها الجماعة من الناس ، من قول الله : ومن قوم موسى أمة يهدون
بالحق .
القول في تأويل قوله تعالى : وأرنا مناسكنا .
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : وأرنا مناسكنا بمعنى رؤية العين ،
أي أظهرها لأعيننا حتى نراها . وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة ، وكان بعض من
يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل يسكن الراء من أرنا ، غير أنه يشمها كسرة .
واختلف قائل هذه المقالة وقراء هذه القراءة في تأويل قوله : مناسكنا فقال
بعضهم : هي مناسك الحج ومعالمه . ذكر من قال ذلك :
1700 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
وأرنا مناسكنا فأراهما الله مناسكهما الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ،
والإفاضة من عرفات ، والإفاضة من جمع ، ورمي الجمار ، حتى أكمل الله الدين أو دينه .
1701 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن
قتادة في قوله : وأرنا مناسكنا قال : أرنا نسكنا وحجنا .
1702 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 769
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٧٦٩