يكون يعني قومه وعشيرته بذلك أو أهل بلده ووطنه كان المقول له ذلك ما فعل بهم
من ذلك أو لم يدركه ، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية :
ولقد سما لكم الهذيل فنالكم * بإراب حيث يقسم الأنفالا ( 1 )
في فيلق يدعو الأراقم لم تكن * فرسانه عزلا ولا أكفالا ( 2 )
ولم يلق جرير هذيلا ولا أدركه ، ولا أدرك إراب ولا شهده . ولكنه لما كان يوما من
أيام قوم الأخطل على قوم جرير ، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه ، فكذلك خطاب الله عز
وجل من خاطبه بقوله : ( وإذ نجيناكم من آل فرعون ) لما كان فعله من ذلك بقوم من
خاطبه بالآية وآبائهم ، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم .
القول في تأويل قوله تعالى : ( يسومونكم سوء العذاب ) .
وفي قوله : ( يسومونكم ) وجهان من التأويل ، أحدهما : أن يكون خبرا مستأنفا عن
فعل فرعون ببني إسرائيل ، فيكون معناه حينئذ : واذكروا نعمتي عليكم إذ نجيتكم من آل
فرعون ، وكانوا منق بل يسومونكم سوء العذاب . وإذا كان ذلك تأويله كان موضع
" يسومونكم " رفعا . والوجه الثاني : أن يكون " يسومونكم " حالا ، فيكون تأويله حينئذ : وإذ
نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب ، فيكون حالا من آل فرعون .
وأما تأويل قوله : ( يسومونكم ) فإنه يوردونكم ، ويذيقونكم ، ويولونكم ، يقال منه :
سامه خطة ضيم : إذا أولاه ذلك وأذاقه . كما قال الشاعر :
إن سيم خسفا وجه تربدا ( 3 )
فأما تأويل قوله : ( سوء العذاب ) فإنه يعني : ما ساءهم من العذاب . وقد قال
هامش
( 1 ) البيتان في ديوان الأخطل ( ص 248 ) من قصيدة يهجو بها جريرا ، أولها :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
وهما كذلك في نقائض جرير والأخطل لأبي تمام ( ص 77 ، 78 - طبعة المطبعة الكاثوليكية ) . وقوله :
" الهذيل " : الهذيل من بني حرقة جيران مطر ، وهو الهذيل بن هبيرة التغلبي . وإراب : ماء لبني رياح .
والأنفال : الغنائم ، الواحد نفل .
( 2 ) الأعزل : الذي لا سلاح معه . والأكفال : جمع كفل ، وهو الذي لا يثبت على دابته ولا يحسن الركوب .
والأراقم : جشم ومالك وعمرو وثعلبة ومعوية والحارث بنو بكر بن حبيب ، مر كاهن بأمهم وهم في
قطيفة لها فقالت : انظر إلى ولدي هؤلاء ، فقال : والله لكأنما رموني بعيون الأراقم .
( 3 ) سام فلانا الخسف ، وسامه خسفا : أولاه ذلا ، وتربد وجهه : تلون من الغضب وتغير .