عن الخطأ في قوله ( ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين
ولو كانوا أولي قربى ) ( 1 ) فمن قال : بكفر أبي طالب فقد حكم على
النبي ( ص ) بالخطأ ، والله تعالى قد نزهه عنه في أقواله ، وأفعاله
ولو كان أبو طالب مات كافرا " لما أبنه النبي بعد الموت ، ولا اثنى عليه
هامش
( 1 ) البراءة : 113 .
هذه الآية من الآيات التي يستدل بها القائلون بموت أبي طالب ، وهو مشرك
فقد اخرج البخاري في ( صحيحه 201 / 2 ) باسناده عن الزهري ، عن سعيد بن
المسيب ، عن أبيه ، قال لما حضرت أبا طالب الوفاة ، دخل رسول الله ( ص )
فوحد عنده أبا جهل ، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال : اي عم ! قل :
لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية :
أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال النبي ( ص ) لاستغفرن لك ما لم انه عنك فنزلت :
( ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ، ولو كانوا أولي قربى ، من
بعد ما تبين لهم انهم أصحاب الجحيم ) .
وتبع البخاري مسلم برواية مثلها ، وعن طريق سعيد المسيب أيضا " ، وتناقلها
عنهما جل المفسرين والرواة .
وموقفنا من هذه الرواية يتلخص بما يلي :
أولا - ان سعيد بن المسيب هو مصدر هذه الرواية ، ولقد تقدم الحديث
عنه في كتابنا هذا ص 147 وذكرنا انحرافه عن الامام أمير المؤمنين ( ع ) ، وقد رمته
بعض المصادر : بأنه ممن نصب العداء لعلي عليه السلام ، فلا يحتج بما يقوله أو
يتقول فيه .
ثانيا " - ان الآية المذكورة من سورة براءة ، وهذه السورة نزلت بعد
الفتح في المدينة . راجع ( تاريخ اليعقوبي : 32 / 2 ) عام ثمان للهجرة ، ومعنى هذا
ان الفرق بين وفاة أبى طالب ونزول هذه الآية ما ينيف على ثمانية أعوام ، مضافا
إلى أن وفاة أبي طالب بمكة كانت ، وهذه نزلت بالمدينة .
ثالثا " - لقد نزلت قبل هذه الآية عدة آيات زاجرة ، نهى الرسول ( ص )
والمؤمنين عن موادة المشركين والمنافقين وموالاتهم والاستغفار لهم .
آ - آية 22 المجادلة نزلت بالمدينة ، قبل سورة البراءة ، وقيل إنها نزلت
يوم بدر في العام الثاني للهجرة ، وقيل : في أحد ، العام الثالث ، وقيل إنها أو
بعضها مكية . . وكيفما كان فسورة ( المجادلة ) نزلت قبل ( براءة ) بعدة سنين
وقبلها بسبع سور .
ب - آية 139 و 144 النساء . قيل : انها مكية ، وقيل : انها نزلت عند
الهجرة ، ودعوى هناك بأنها مدنية استنادا " إلى قول عائشة . . وعلى اي تقدير
كان نزولها قبل ( براءة ) بإحدى وعشرين سورة .
ج - آية 28 عمران نزل صدر هذه السورة إلى بضع وثمانين آية في
أوائل الهجرة ، يوم وفد نجران . وروى القرطبي وغيره آية 28 آل عمران نزلت
يوم الأحزاب في عبادة بن الصامت - والأحزاب في العام الخامس من الهجرة - .
مضافا إلى أن هذه السورة نزلت قبل ( براءة ) بأربع وعشرين سورة .
د - آية 6 المنافقين . نزلت في غزوة بني المصطلق عام ست للهجرة ، وقبل
( براءة ) بثمان سور .
ه - آية : 23 و 80 التوبة ( براءة ) ، وقد نزلت الآيتان . قبل آية الاستغفار
المشار إليها .
فهل كان الرسول الأعظم في هذه الفترة يستغفر لعمه ، ويخالف أوامر الله
بهذه الآيات الكثيرة ، لو فرضنا انه مات كافرا " وحاشا لله ، يقول شيخنا
الأميني ( ولهذا كله استبعد الحسين بن الفضل نزول - هذه الآية - في أبى طالب
وقال : هذا بعيد ، لان السورة من آخر ما نزل من القرآن ، ومات أبو طالب في
عنفوان الاسلام ، والنبي بمكة ، وذكره القرطبي وأقره في تفسيره : 273 / 8 ) .
رابعا " - هناك روايات تعارض وجه نزول هذه الآية الكريمة ، وتكاد
تنحصر بثمانية عشر وكل منهما تذكر سببا في نزول هذه الآية ، وإذا حاولنا
تداخل بعضها البعض فتنحصر بما يلي :
1 - ان قسما " كبيرا " من هذه الروايات تؤكد على أن هذه الآية نزلت ، عندما
استغفر الرسول لامه . اخرج الطبري في ( تفسيره 31 / 11 ) بان الرسول لما قدم مكة
وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس وجاء ان يؤذن له فيستغفر لها حتى نزلت
الآية : ما كان للنبي . . إلى قوله تبرأ منه . وروى الزمخشري في ( الكشاف
49 / 2 ) حديث نزول الآية في أبى طالب ، ثم ذكر هذا الحديث في سبب نزولها
وأردفها بقوله : قبل الهجرة ، وهذا آخر ما نزل بالمدينة .
2 - رواية أوردها السيوطي في ( الدر المنثور 283 / 3 ) عن ابن عباس
( ان النبي ( ص ) أراد ان يستغفر لأبيه فنهاه الله عن ذلك بقوله ما كان للنبي
والذين آمنوا . . . الآية . قال : فان إبراهيم قد استغفر لأبيه فنزلت وما كان
استغفار إبراهيم لأبيه الا عن موعدة . . . الآية . )
3 - ان بعضا منها تقول : ان الآية نزلت عندما طلب قسم من المسلمين من
النبي ( ص ) السماح لهم بالاستغفار لآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية فنزلت الآية
المذكورة .
وفي هذا الصدد روي عن الإمام علي عليه السلام ، قال سمعت رجلا
يستغفر لأبويه ، وهما مشركان ، فقلت : تستغفر لأبويك ، وهما مشركان ؟ فقال :
أو لم يستغفر إبراهيم ؟ فذكرت ذلك للنبي ( ص ) فنزلت : ما كان للنبي . . . الآية
راجع عن مصادر هذا الحديث ( أبو طالب مؤمن قريش : هامش ص 347 ) .
وعلق عليها زيني دحلان في ( أسنى المطالب 32 ) قائلا ( فالأرجح انها
نزلت في استغفار أناس لآبائهم المشركين لا في أبى طالب ) .
4 - ان الطبري ذهب في ( تفسيره 33 / 11 ) إلى أن الاستغفار هنا بمعنى
الصلاة ، ثم اخرج من طريق المثنى ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : ما كنت
ادع الصلاة ، على أحد من أهل هذه القبلة ، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا
لأني لم اسمع الله يحجب الصلاة إلا عن المشركين ، يقول الله : ما كان للنبي . الآية
وعلق شيخنا الأميني على ذلك بقوله : ( وهذا لتفسير ان صح فهو مخالف
لجميع ما تقدم من الروايات الدالة على أن المراد من الآية هو طلب المغفرة ، كما
هو الظاهر المتفاهم من اللفظ ) .
5 - وان قسما من الروايات تقول انها نزلت في أبى طالب . تقول الرواية
عن علي ، قال : أخبرت رسول الله ( ص ) بموت أبى طالب فبكى ، فقال : اذهب
فغسله ، وكفنه ، وواره غفر الله له ، ورحمه . ففعلت ، وجعل رسول الله ( ص )
يستغفر له أياما ، ولا يخرج من بيته حتى نزل جبرئيل بهذه الآية : ما كان للنبي . .
الآية . راجع ( طبقات ابن سعد : 105 / 1 والدر المنثور : 282 ، نقلا عن ابن
سعد ، وابن عساكر ) .
وقد تقدم ان هجرة النبي ( ص ) كانت على أعقاب وفاة أبي طالب ، وسورة
( براءة ) نزلت بعد فتح مكة عام ثمان للهجرة ، ومعنى هذا فان الآية المذكورة
نزلت بعد وفاة أبى طالب بحفنة من السنين ، والرواية تقول انها نزلت بعد وفاته
بأيام ، فأيهما الصحيح ؟ ! .
وإذا بسطنا هذه الروايات العديدة ، وعرفنا مدى التضارب والتعارض
بينها ، فكيف يذهب القائلون بكفر أبى طالب إلى جانب مع قوة الجانب الآخر
خامسا " - ان سياق الآية الكريمة - آية الاستغفار سياق نفي لا نهي
فلا نص فيها على أن رسول الله ( ص ) استغفر فنهي عنه ، وإنما يلتئم مع استغفاره
لعلمه بايمان عمه ، وبما ان في الحضور كان من لا يعرف ذلك من ظاهر حال
أبى طالب الذي كان يماشي به قريشا " ، فقالوا في ذلك ، أو اتخذوه مدركا لجواز
الاستغفار للمشركين ، كما ربما احتجوا بفعل إبراهيم ، فأنزل الله سبحانه الآية
وما بعدها من قوله تعالى : وما كان استغفار إبراهيم . . الآية : تنزيها " للنبي ( ص )
وتعذيرا " لإبراهيم وايعازا " إلى أن من استغفر له النبي ( ص ) لم يكن مشركا "
كما حسبوه ، وان مرتبة النبوة تأبى عن الاستغفار للمشركين ، فنفس صدوره
منه ( ص ) برهنة كافية على أن أبا طالب لم يكن مشركا " ) .
سادسا " - روى ابن هشام في ( سيرته 418 / 1 ) قائلا : ( فلما تقارب من
أبي طالب الموت ، قال : نظر العباس إليه يحرك شفتيه ، قال : فأصغى إليه باذنه
قال : فقال يا بن أخي ، والله لقد قال الكلمة التي أمرته ان يقولها ) ، وقال ابن
أبي الحديد في : ( شرح النهج 312 / 3 ) ( روى بأسانيد كثيرة بعضها عن
العباس بن عبد المطلب ، وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة ان أبا طالب ما مات
حتى قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، والخبر مشهور ، ان أبا طالب عند الموت
قال كلاما " خفيا " فأصغى إليه أخوه العباس ، ثم رفع رأسه إلى رسول الله ( ص ) فقال
يا بن أخي والله لقد قالها عمك ، ولكنه ضعف عن أن يبلغك صوته ) .
اما الحديث الأول الذي رواه ابن هشام فهو بقية للحديث الذي نقل عن
البخاري ومسلم ، فإذا قلنا بصحة الحديث فلا بد من الاخذ ببقية ، وإذا ذهبنا إلى
عكسه ، فلا بد ان يكون الكل غير صحيح .
سابعا " - وإذا تنزلنا ولم نقبل كل هذه الروايات ، وضربنا شهادات الصحابة
والخلفاء في حقه عرض الجدار ، فلا بد ان نرجع إلى كلمته التي ألقاها في الساعات الأخيرة وهي
( اني على ملة عبد المطلب ) ونتسائل بعد ذلك ما هي ملة عبد المطلب ؟ أليست هي الحنيفية
البيضاء ، دين الحق والعدل ، وللعلماء كتب كثيرة تؤكد على ايمان آباء النبي ( ص )
وانهم على الحق والهدى ، ولقد سرد شيخنا الأميني عددا " من الكتب المؤلفة في
ايمان آباء النبي فراجعها في ( الغدير : 17 / 8 هامش 1 ) .
وبعد هذا كله أليس من التعسف ان نأخذ بقول من الأقوال الواردة في هذه
الآية ونترك الأقوال الأخر . دون ان يكون هناك دليل يدعم هذا القول ويخصه
لخص هذا البحث عن ( الغدير 8 - 17 / 8 ومؤمن قريش أبو طالب
341 - 362 ) بالإضافة ما توصلنا إليه من غير هذين المصدرين .